تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
ذخائره ، أم أنّها سطور تُكتب ولا تجد التنفيذ في غير أوروبّا وحدها ؟ ! » . وحين يُسأل عن اهتمامه ببلاد الإسلام ، حيث يتحدّث عن مآسي الاستعمار في مصر وتونس وسورية والمغرب وليبيا ، ولا يقصر حديثه عن بلده مع أنّنا نعيش في عصر القوميات ، يتساءل محمّد علي : « ما الذي دفع أوروبّا إلى الحرب الطاحنة غير القوميات ؟ ! إنّ الذي يجعل دولته وحدها كلّ شيء في العالم ، ويطلب لها السيادة والسيطرة ، يقذف بها قريباً أو بعيداً إلى حرب تأتي عليها ، وقد تنتصر ولكنّها تفقد ملايين الأرواح ؛ لأنّ القومية - كما لاحت بوادرها في أوروبّا جميعها - مصدر أنانية وأثرة وتربّص بالصغار كي يفنوا في نطاق الكبار ، أمّا الإنسانية التي فرضها الإسلام فتجعل المساواة الحقيقية مبدأ للجميع ، وقد أوجدتم عصبة الأُمم بدعوى أنّها تحكم بين المتنازعين وتدفع بالحقّ إلى صاحبه ، ولكنّها لم تفعل شيئاً من ذلك ، بل مالأت المستعمرين واضطهدت الأبرياء ، والقومية اليوم تطلّ برأسها في ألمانيا وإيطاليا ، وستنمو وتستشري حين توقد حرباً مقبلة » . هذا ما قاله محمّد علي سنة 1928 م ، وقد صدقت فراسته ، فما حانت سنة 1939 م حتّى شبّت الحرب العالمية الثانية ، شبّتها ألمانيا تحت ستار « ألمانيا فوق الجميع » ، وإيطاليا تحت سيادة الحكم الفاشي ، وانقلب العالم كلّه إلى مجزرة رهيبة ؛ لأنّ الذي لم يتأثّر بالقتال قد تأثّر بالقحط والمرض والغلاء . يقول الدكتور محمّد رجب البيّومي : « لقد بثّ مولانا محمّد علي آراءه الناقدة من أعلى منابر أوروبّا ، وجال بالعالم الإسلامي ليعلن هذه الآراء بين المسلمين داعياً إلى الوحدة الحقيقية التي تجعل بني الإسلام عضواً واحداً ، والتي تدفع كلّ دولة إسلامية إلى التعاون مع شقيقتها تعاون الأصابع في اليد الواحدة ، ولأمرٍ أراده اللَّه اندفعت بعض الأقلام إلى توهين مذهبه ؛ لأنّ عشّاق أوروبّا قد سكروا بخمرها ، فأخذوا يدعون إلى الانفصال ، ويحبّذون كلّ حركة تُنادي بفصل الإسلام عن القيادة ، ولكنّ مبادئ محمّد علي قد وجدت في كلّ متّجهٍ من يستمع إليها ؛ لأنّه لا يتحدّث عن نفسه ، بل يتحدّث عن دستورٍ قائم سجّله القرآن في محكم آياته ، وهو إذا عبّر عن هذه المبادئ في خطبه السائرة فإنّما يُعَبِّر عن
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 372 | محمد الساعدي