الصمّاء لآلامي أثراً ، فليئنّ الخسران الذي في صفحاتي دون حسٍّ ولا ركز » .
لقد قدم محمّد عاكف القاهرة سنة 1912 م زائراً المشتى الجميل بالأقصر ، وواصل الخطو في ديار الإسلام ، فوجد نفسه غريباً بين أهله وذويه ، عن يمينه وشماله أوروبيّون من إنجليز وفرنسيّين وألمان يملؤون الكؤوس ثملين ، ويُواصلون السمر ضاحكين ، وأمامه معابد الفراعنة تُشير إلى مجدٍ عفا وسلطان أدبر ، وواقع العالم الإسلامي من حوله يشير إلى ظلمات تتراكم وتمتدّ حتّى يسود الأُفق وتهمد الأنفاس ، كلّ ذلك قد هاج لواعه ، فنظم قصيدة طويلة جعل عنوانها « في الأقصر » ، بدأها بوصف الطبيعة الهادئة ساعة الأصيل بالصعيد الأعلى عند غروب الشمس ، فرسم مناظر بديعة للنيل بزوارقه ومجاديفه وللنخل السامق الباسق وللفلّاح الكادح اللاغب ، ثمّ انفجر يقول نقلًا عن ترجمة الأُستاذ أكمل الدين إحسان بالعدد الرابع من مجلّة « الشِعر » : « ورأيت أمامي نحو ثلاثة عشر نفراً من السائحين ، ما بين فرنسيّين وإنجليز وألمان ، مجتمعين زُرافات ووحداناً ، وللكؤوس بينهم رنين .
فالفرنسيّون يضحكون ؛ لأنّ كيسهم المملوء يهزّ الدنيا المدنية لهم هزّاً عنيفاً ، وليس في الدنيا ما يُحزنهم إلّاهزيمة « سيدان » ، ومع ذلك فإنّ الرغد والرفاهية يُنسيان الإنسان أنكى الجروح .
والإنجليز يضحكون ، وما أجدرهم بالضحك ؛ لأنّ الدنيا كلّها رهن إشارتهم ، إن قالوا لها : موتي ، فستموت ، يؤلّبون شعوب الأرض بعضها على بعض ، وينظرون عن بُعْد فرحين ، فبينما يصطدم الحجر والفولاذ يُشعلون غليونهم .
والألمان يضحكون ؛ لأنّ قوّة عضدهم كفيلة بأن يصدّق العالم جميع ما يقولون ، وما دام البشر لا يعطي الحقّ إلّاللقوّة ، فما الحيلة في الوصول إلى الحقّ بغير القوّة ؟ !
أضَعيف أنت إذن ؟ فالنحيب أولى بك !
نعم ، في هذه الساحة من الصخب ، صخب الحبور ، وجَلَبَة السرور ، أنا وحدي اليأس الذي لا يبتسم ! قد أخذت أبكي ، وما أجدرني بالبكاء ! فأنا كالغريب من ديار ديني ! لا من
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 303
مساهمون: محمد الساعدي
ص٣٠٣