المتفائل ليست له أُمّة متماسكة ، بل مسلمو الهند لعهده أباديد هائمة في جماعات متنازعة متناحرة ، ممّا كان يدعو إلى التشاؤم ، لولا أنّ إقبال قد آلى على نفسه أن ينفخ في الصور ليستيقظ النائمون من أجداثهم إلى بعث جديد .
أمّا عاكف فقد أمضّه تقلّص الظلّ الإسلامي واقتطاع أجزائه وسوء الواقع في تركيا وما ترعاه من ممالك ، فاكتفى بالنواح والبكاء ، ونظم زفراته الحارّة أبياتاً باكية ذات شجن ملتاع ! مع أنّه يعيش في وطن متماسك ذي حيّز ، يدعو إلى التفاؤل لو كانت له روح إقبال وعزيمته ! وفي رأينا أنّ البكاء النائح نفخ في الصور من لون آخر ، فهو يدعو القارئ إلى تفهّم المأساة ، ويبصّر عينيه بالكارثة الحاقّة ؛ ليهبّ هبّة عاتية ، ينتقم من أعدائه ويثأر من غاصبيه ! وإذاً فلعاكف أثره الملموس في إيقاظ الهمم وبعث العزائم ، وإن كان لا يُقاس بأثر إقبال إذا قِيسَ به ! لأنّ كلّ شاعر يخطّ مجراه وفق منزعه الوجداني واستعداده النفسي ، ولا يعقل أن يكون شعراء الإسلام جميعاً على جادّة واحدة ، وإن كانوا جميعاً على طريق سواء ! » .
كان عاكف يقول في ديوانه ما ترجمته : « سَلني أيّها القارئ الحبيب أُنبئك ، سَلني : ما هذه الأشعار الماثلة أمامك ؟ إنّها أكداس من الكَلِم لا براعة فيها إلّاالإخلاص ، لست أعرف التصنّع ، لأنّي لست صانعاً ، يقال : إنّ الشعر دمع العين ، لا علم لي بهذا ، ولكنّي أرى أنّ كلّ ما أُسطّر هو بكاء العجز ، أنا أبكي فلا أستطيع أن أبكي ، وأشعر فلا أستطيع أن أُبيّن ، وإنّ الشقاء أن يُحرَم القلب الشاعر لساناً ، اقرأ إن كنت تنشد قلباً حسّاساً ، اقرأ فما كتبت كلمتين إلّا سطّرت هذا القلب » .
كما يقول : « ما كنت لأقف معقول اللسان أُقلّب الطرف فيما حولي ، لم يكن لي بدٌّ أن أنوح لأُوقظ الإسلام ، إنّما أُريد أن تفور القلوب المرهفة الحسّ الراسخة الإيمان ، وأمّا التفكير الطويل فقد هجرته منذ أمد بعيد ، إنّي أنوح ، ولكن لمن ؟ أين أهل الدار ؟ أُقَلِّب طرفي فلا أظفر إلّابأُمم نائمة ! لقد خنقت صرخاتي ، وحملت نعشها ، ثمّ مزّقتها تمزيقاً ، ودفنتها في شعري المنهمر ، أسيله في غير هدير كالدموع الخفية ، لا أجد في هذه القبّة
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 302
مساهمون: محمد الساعدي
ص٣٠٢