تشريع ونظام وحياة ، أليس من الغريب الذي تحار الأفكار في تعليله بمنطق العقل أن تبرز في هذا الحصار الشامل أصوات مادّية من فتيان وفتيات تدعو في حرارة وشوق إلى الإسلام وهم لم يدرسوه في مدارسهم وجامعاتهم ، بل قدّمت لهم تلك المدراس والجامعات علمانية شهوانية في وسط لهو عابث وتحمّلوا في الصبر على دعوتهم هذه الأذى والكبت والمقاومة ، ممّا دعا الكثير من أساطين الصحافة الباحثة أن ترسل من روّادها من يعمل على تقصّي أسباب هذه الصحوة الإسلامية من شباب كان الظنّ به أنّه لا يعرف الإسلام وهو لم يتعلّمه في دروسه بعدما تقدّم للساحة كتّاب تزيّوا بزي العلوم الإسلامية مشفقين ناصحين يقولون : إنّهم يعملون للإسلام وشبابه . . فطوراً يدعون لتطهيره من دنس الحكم ، وما ورد في القرآن من أحكام إنّما هي نماذج لتطهير النفوس ، وإنّما الغاية من الدين أن تتطهّر النفوس وتتسلّى ، وتشريع القانون يبقى للناس يشرّعون فيه كيف يشاؤون ! وآخرون يقولون : إنّ غاية القرآن في أحكامه إقامة الحقّ والعدل ، فإذا تطوّرت الأزمان فلنترك قوانينه التي رسمها إلى ما هو خير منها ! وآخرون يقولون : إنّ قصص القرآن يراد منها الأمثال ، ولا يلزم صحّة ثبوتها ! وآخرون يقولون : لا يصلح بنا أن نتعبّد بحرفية القرآن ، بل ننظر للغاية منه ، فإذا ما تلا الأقدمون قوله تعالى :
« وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ »
( سورة الأنفال : 60 ) لا حرج علينا أن نبدّل إلى ما هو أنفع ، فنقول : من قوّة ومن دبّابات وطائرات . . وهم لا يستمعون إلى قوله تعالى :
« قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
( سورة الفرقان : 6 ) ، وهذا هو الإسلام المتفتّح العصري الذي يسهل قبوله ! وكان من حقّهم أن يقولوا : ويرضى عنه الغرب ! وكان من حقّنا أن نسائل هؤلاء وأمثالهم إذا كان الإله الذي أنزل القرآن لا يعلم استعدادات خلقه وهو في حاجة لأن يصلح له هؤلاء المجتهدون الناصحون نقصه فهم آلهة أعلم منه
« وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ »
( سورة الأنفال : 30 ) ، والمكر : توجيهك غيرك إلى ما يفسد عليه غايته وأنت توهمه أنّك تعمل لصالحه . فإنّ هؤلاء الغربيّين الناصحين يشيرون على من اتّصلوا به أو اتّصل بهم من المأجورين أو السذّج المغرورين أن يطوّروا الإسلام ويميعوه حتّى يندمج في بوتقة المادّية الغربية ، وبمثل هذا يهون عليهم إرضاء شهواتهم ولذّاتهم في وضح النهار ،