ونجحت قوّات الاحتلال في السيطرة على الموقف واتّخاذ إجراءات قمعية ، كان من بينها عزل السنوسي عن وظيفته لمشاركته في هذه الحركة الاحتجاجية ، وإبعاده إلى مدينة « قابس » . ولم تطل مدّة نفيه أكثر من ثلاثة أشهر ، عاد بعدها إلى العاصمة بعد صدور عفو من الباي . وقد سجّل محمّد السنوسي أحداث هذه الحركة في كتابه « خلاصة النازلة التونسية » الذي ألّفه سنة 1302 ه ( 1885 م ) ، لكنّه لم ير النور إلّافي سنة 1397 ه ( 1976 م ) حين نشره محمّد الصادق بسيّس في تونس .
عيّن السنوسي بعد رجوعه من منفاه سنة 1303 ه ( 1886 م ) كاتباً للمجلس العقاري المختلط ، وحاول أن يخدم وطنه في ظلّ الاحتلال بعدما شاهد من اضطراب الصفوف وخور العزائم في أثناء الحركة الاحتجاجية ، ثمّ انتقل إلى العمل في عدّة مناصب قضائية ، واشترك في تأسيس جريدة « الحاضرة » إلى جانب جريدة « الرائد » ، ثمّ سافر إلى فرنسا في سنة 1306 ه ( 1889 م ) لزيارة المعرض الدولي في باريس . وقد وصف السنوسي رحلته هذه في كتابه « الاستطلاعات الباريسية في معرض سنة 1889 » ، دوّن فيه إعجابه بالحضارة العصرية الجديدة ، وعقد مقارنات بين الحالة التي كانت عليها ديار الإسلام من تخلّف وفقر وما عليه أهل الغرب من تقدّم وازدهار ، وأسباب ذلك ، وسجّل ما شاهده في فرنسا من نظم الحكم ومؤسّسات التعليم والثقافة ، وكان كلّما تعرّض لشيء ممّا شاهده وأُعجب به ذكّر قارئه بمثيله ممّا كان عند المسلمين في أوج حضارتهم ، فحين وصف المكتبة العامّة بباريس أشار إلى ما كان عليه بعض خلفاء المسلمين من شغف في جمع الكتب مثل المأمون في بغداد والحكم الأُموي في قرطبة ، وحين ذكر عناية الدولة في فرنسا بالتعليم وكثرة المدارس وبخاصّة العليا أشار إلى عناية الإسلام بنشر المعارف والعلوم وطلب تعلّمها .
وبعد عودته من باريس تعرّض لسخط الحماية الفرنسية عليه بسبب مواقفه الوطنية .
أمّا آثار محمّد السنوسي فهي متنوّعة شملت الأدب والقانون والتاريخ والدين ، فلم تشغله أعباؤه عن مواصلة الكتابة والتأليف ، وتضمّ مؤلّفاته :
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 255
مساهمون: محمد الساعدي
ص٢٥٥