وكان يقول : « إنّ الجماعة في الإسلام هي في واقع أمرها ذات صلة بعضها ببعض ، وقوّة الجماعة في قوّة وحداتها وأفرادها : « المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف » .
حلّت العصبيات الشعوبية محلّ الرباط الإسلامي العامّ ، وبرزت الحدود والفواصل ، وخلقت خلقاً في الوطن الإسلامي ، دون أن تعتمد اعتماداً دقيقاً على المكان الجغرافي أو خصائص الجنس ، وإنّما تعتمد أوّلًا وبالذات على الحدود « المفترضة » التي وضعها المستعمر وقوّاها حتّى يحول بذلك دون الترابط النفسي بين الشعوب الإسلامية في الآمال والكفاح ، قبل أن يحول دون الاختلاط المكاني أو الزماني .
« لولا التعدّد في الإنسان لما كان له كفاح ، ولكن فرض عليه الكفاح ، فكفاحه من أجل الوحدة ، فالتعدّد فيه إذاً أساس الوحدة ، ولولا اعتبار أنّه ذو شرّ وذو خير معاً لما كان له كفاح أيضاً ، وحيث وجب عليه الكفاح فكفاحه للخير ، فالشرّ كذلك إذاً أساس الخير .
والقدامى يشتركون في نظرتهم الازدواجية للإنسان على هذا النحو ، والأُسرة قائمة على الازدواج أيضاً ، أساسها ذكر وأُنثى ، وهدفها إضعاف ما في أصل تكوينها من ازدواج أو تعدّد عن طريق التقارب النفسي بين الاثنين أو عن طريق ما يسمّى بالانسجام بينهما ، هدفها إضعاف الفوارق الفردية بين الطرفين إضعافاً يقترب بينهما من أن يكونا نفساً واحدة وذاتاً واحدةً .
فالتعدّد في الأُسرة يهدف إلى الوحدة إذاً أو هو أساسها ، كما يصحّ بالتالي أن يكون أساس السعادة أو الخير وإن كان في طبيعته يحمل معنى الشقاء أو الشرّ .
والقوم جماعة إنسانية متعدّدة الأفراد كذلك . وهدف كلّ قوم تماسك أفراده أو صيرورة عدده الكثير إلى وحدة منسجمة ، هدف أيّ قوم أن يكون قوياً بحكم ما يمليه عليه حفظ بقائه بين الأقوام الأُخرى ، وقوّته في تضامنه بحيث إذا اشتكى أحد أفراده تداعى له جميع الأفراد بالحمّى والسهر ، ومنتهى قوّته في وحدته ، وفي وحدته اطمئنانه . إذن لما يقع عليه من أحداث خارجية إذ يستطيع عندئذٍ ردّها ، في وحدته الخير كلّه له ، وفي بقائه متفرّق الأفراد متفرّق الكلمة والتوجيه عدم اطمئنانه واستقراره ، وليس عدم الاطمئنان لأيّ
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 143
مساهمون: محمد الساعدي
ص١٤٣