أهل هذا التمدّن ، فلمّا عاد إلى تونس أخذ في تنظيم مستشفاها على نحو ما رآه في مستشفيات أوروبّا .
ووقع في أثناء ذلك بين قنصل فرنسا الكونت دوسانسي والحكومة التونسية نزاع على قطعة أرض كانت الحكومة منحته إيّاها لتربية الخيل على شروط أخلّ بها ، فأرادت استرجاعها فأبى ، وبينما هي تنازعه وتجادله عليها ذهب الوزير - وهو يومئذٍ مصطفى بن إسماعيل - إلى تلك الأرض ودخلها عنوة في زمرة من أعوانه ، فاغتنم القنصل هذا التعدّي لتمكين سيادة دولته في تونس ، فرفع أمره إليها ، وطلب عزل الوزير ، فخاف هذا وأسرع إلى الترضية ، فعيّنوا لجنة تحكيم كان بيرم أحد أعضائها ، فأخذ جانب الدفاع عن الحكومة بكلّ قواه ، وكان نحيف البنية مصاباً بمرض في الأعصاب الموصلة بين المعدة والقلب مع ضعف شديد في الدم ، يستخدم المورفين لتسكين آلامه ، فأثّر ذلك في صحّته ، واضطرّ أن يشخص إلى باريس للاستشفاء ، وأمّا اللجنة فصدر حكمها لمصلحة القنصل .
ونهض التونسيّون على إثر ذلك يطلبون الجنوح من الحكم الاستبدادي إلى الشورى ، وسعوا في ذلك سعياً حثيثاً لم يأتِ بنتيجة ؛ لأنّ أمير البلاد يومئذٍ لم يعضد مطالبهم . ويقال :
إنّ ذلك كان بتحريض فرنسا ؛ لأنّها تعتقد أنّ الحكومة الدستورية تخالف مصلحتها هناك .
وأمّا بيرم فقد كان في مقدّمة الراغبين في الشورى ، وعاتبه الأمير على تعضيده الأهالي في مطالبهم ، فأجابه بحرّية لم يعهد مثلها ، وبيّن له خطأه .
وتوجّه تلك السنة إلى باريس كالعادة ، واغتنم وجوده هناك ، فرفع إلى غمبتّا تقريراً مسهباً يشكو فيه سوء تصرّف القنصل ووقوفه في سبيل كلّ مشروع نافع للبلاد . وبلغ خبر ذلك إلى القنصل ، فزاد غضباً ونقمةً ، واتّفق في أثناء طلب التونسيّين الشورى أنّ الدول كانت مشغولة بخلع إسماعيل باشا خديوي مصر ، وكان الصدر الأعظم في الآستانة يومئذٍ خير الدين باشا ، ونظراً لما يعلمونه من علائق بيرم بخير الدين استنتج الفرنسيّون أنّ مطالب التونسيّين لم يكن الغرض منها إلّافتح السبيل لمداخلة الباب العالي ، واتّهموا صاحب الترجمة أنّه الواسطة بذلك . ولمّا بلغه الخبر استعفى من منصبه في تونس ، وعزم على البقاء
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 146
مساهمون: محمد الساعدي
ص١٤٦