يُكرَّم في الدنيا من لا يُكَرِّم نفسه ، ويُرِي العالمين مبلغ إبائه وسموّه ، يقول إقبال ما ترجمته :
« اتّخذ قوّتك الذاتية ، واجعلها في مكانة من العلوّ ، وإنّ ابتغاء مرضاة اللَّه لعبده لن تكون إلّا حين يكون قوياً غير مستكين » .
وقد يضيق ذرعاً بما يلمس من حال العالم الإسلامي ، فيناجي ربّه قائلًا : « إنّي أرى الرحمة تتوالى على الأجانب ، أمّا المسلمون فتتقاذفهم النوائب ، فأدركهم يا ربّاه ، فإنّ البلية كلّ البلية أنّ الكفار اليوم ينعمون بحور مقصورات ، والمسلمون المساكين يُعلّلون بالحور فقط » . ثمّ يرجع إلى أيّام العزّة في عصر المجاهدين الأوّلين فيقول : « كلّ ما حانت الصلاة أثناء صليل السيوف ولّت الأُمّة الحجازية وجهها شطر القبلة ، ووقف محمود ( السلطان الغزنوي ) جوار خادمه في صفّ واحد ، فلم يبق هناك عبدٌ ولا مولى ، أصبحوا جميعا للَّه عبيداً ، ولمّا وصلوا إلى حضرتك صاروا كتلةً واحدةً » .
لقد علم إقبال أنّ الوظيفة الحكومية التي سعى الإنجليز إلى إهدائها إليه بمرتّب ضخم وسيلة إلى تقييد دعوته إلى الأُخوّة الإسلامية ، فرفضها في إباء ، وآثر أن يكون مرشداً للناس دون مقابل ، كما ألحّ المسلمون عليه أن يرشّح نفسه في الانتخابات البرلمانية ، فقال :
« لا ، أنا منتخب عن الشعب فيما أُصدر من مقالات » هذه المقالات التي ناصرت ليبيا وفلسطين وأفغانستان وسوريا ومصر وكلّ بلد إسلامي كان يرزح تحت الاحتلال ، وكان صوته أقوى الأصوات الداعية لإنشاء الباكستان مسلمة مستقلّة ، واعترف له بذلك كلّ من باشر جهوده من الزعماء ، وفي طليعتهم القائد الباسل محمّد علي جناح .
أمّا قضايا الاشتراكية والشيوعية والنازية والفاشية التي سحرت ألباب المخدوعين فقد عكف الباحث الضليع محمّد إقبال على دراستها ، ليصدر حكمه ببهرجتها الزائفة ، وليحصر الحلّ الأمثل في هداية الإسلام ، وقد قال أحد المستشرقين : « إنّ تأثير إقبال بقذائفه الصائبة يفوق تأثير جيش مدجّج بالسلاح ؛ لأنّه مع عاطفته الحارّة كان مسلّحاً بالمنطق الصارم والحقّ الملجم ، وإنّ خصمه لا يستطيع منازلته صريحاً ؛ إذ لا بدّ معه من الاحتيال الشديد » .
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 103
مساهمون: محمد الساعدي
ص١٠٣