الوجوه المتصوّرة التي ربّما يوجد لكلِّ منها أنصار بين المسلمين الذين يدعون إلى وحدة الأُمّة ، بل يراد التأكيد والركون إلى المشتركات في حقل العقيدة والشريعة باعتبارها الأُصول الأساسية للإسلام ، وكونها معياراً للأُخوّة الإسلامية ووحدة الأُمّة . هذا مع الاحتفاظ بالمذاهب والاحترام المتقابل بين أتباعها فيما وراء هذه الأُصول من المسائل الجانبية الفرعية التي يسوغ الخلاف فيها في إطار الدليل والبرهان ، والتي تعتبر غير ضرورية ، ويكون باب الحوار والاجتهاد فيها مفتوحاً . إنّ الاختلاف في مثل هذه المسائل مقبول ولا ضير فيه ، بل لا مناص منه ، فلكلّ ذي رأيٍ رأيه :
وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ . . .
( سورة هود : 118 - 119 ) ، أي : للرحمة ، أو للاختلافات على الخلاف ، حسب تعبير الإمام كاشف الغطاء في إحدى مقالاته .
الأمر الرابع : قد تبيّن ممّا سبق أنّ المراد بالمذاهب الإسلامية هي المذاهب التي تؤمن بتلك الأُصول الأساسية العقائدية والعلمية التي يلتزم أتباعها بالعمل بها بحيث يمكن أن يدخلوا في إطار الأُمّة الإسلامية ويُعَدّوا مسلمين ، والذين ينكرون أصلًا من تلك الأُصول فنحن لا ندعوهم إلّاإلى الأخذ بما أخذ به إخوانهم المسلمون ليدخلوا في زمرة الأُمّة الإسلامية .
الأمر الخامس : لا بدّ من تعيين المشتركات والأُصول الأساسية للإسلام - وإن كانت معلومةً إجمالًا - من قبل نُخبةٍ من علماء المذاهب الإسلامية في مؤتمرٍ عامّ ، وفي لجان تخصّصية مهمّتها تشخيص الأُصول المتّفق عليها ؛ لتكون معياراً للحكم على من لا يلتزم بها ، أو بشيءٍ منها بأنّه خارج عن الأُمّة أو أنّه غير مسلم .
الأمر السادس : ما دام لم يوضّح ويحدّد هذا المعيار ( الكفر والإيمان ) فليس لأحد رمي الآخرين بالكفر ، كما أنّه لا يجوز المسارعة في الحكم به على أهل القبلة وعلى كلّ مَن التزم بالأُصول الإسلامية المتّفق عليها ، وحتّى لو شُكّ في التزامه بها ، بل ويجب الاجتناب بشكل قاطعٍ عن تشكيل محكمةٍ من قبلنا لتقسيم الجنّة والنار بين المسلمين ، ولكن وجب أن نوكل هذا الأمر إلى اللَّه تعالى ، فإنّه الحكم العدل بين عباده :
وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ