الإسلامية متقدّمة في مشارق الأرض ومغاربها .
فقد أراد اللَّه أن تكون في هذا الدين أحكاماً منصوصة ومسكوت عنها ، وأن تكون في المنصوص عليه : المحكمات والمتشابهات ، والقطعيات والظنّيات ، والصريح والمؤوّل ؛ لتعمل العقول في الاجتهاد والاستنباط فيما يقبل الاجتهاد .
ولو شاء اللَّه لأنزل كتابه كلّه نصوصاً محكمة قطعية الدلالة ، لا تختلف فيها الأفهام ، ولا تتعدّد التفسيرات ، ولا تكثر فيها الاجتهادات ، ولكنّه لم يفعل ذلك ؛ لتتّفق طبيعة الدين مع طبيعة اللغة وطبيعة الناس وضروريات الزمن وطبيعة الرسالة المحمّدية إلى كافّة الناس في كلّ مكان وزمان في المدر والوبر وما بلغ الليل والنهار .
فالاختلاف في الرأي والفهم بآدابهما غير التفرّق الذي يفرّق الأُمّة الواحدة ، فالأوّل محمود ومأجور : « من اجتهد فأصاب فله أجران ، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد » ، والثاني مذموم : « فتفرّقت أُمّتي إلى ثلاث وسبعين فرقة ، كلّهم في النار ، إلّاواحدة » .
والاختلاف المحمود يسمّيه العلماء « اختلاف تنوّع » مع الاجتهاد في البحوث بالعلوم الشرعية بإخلاص الإيمان والعمل الصالح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل اللَّه للعبادة وإقامة الدين وسياسة الدنيا به .
وفي الكتاب والسنّة نصوص قطعية الدلالة التي لا خلاف فيها بين العلماء ، وهناك نصوص عامّة ظنّية الدلالة لاختلاف المعاني وتغيّر الأسباب بخصوصها وعمومها ، وما هو مسكوت عنه أكثر منها . وهذه ما حدث فيها الاختلاف بين العلماء ، ولا تفرّقهم ولا تشتّت الأُمّة بسببها ، بل رحمة وحكمة لحلول المشاكل وبناء الحضارة العادلة الوسطية .
والخلاف العلمي يكون على نهج الأُمور الاجتهادية بآداب الاختلاف بشروط :
1 - أن يكون صادراً من العلماء المخلصين الذين تكلّموا أو كتبوا بصلاحية العلوم الشرعية المعتبرة . والجهلاء لا يحقّ لهم الكلام في الأُمور الدينية ، وكذلك علماء السلاطين الذين يتكلّمون على حسب المصالح الرسمية فحسب .
2 - أن لا يكون مخالفاً للإجماع القطعي الصحيح ، كإيجاب الفرائض الكبيرة وتحريم
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 704
مساهمون: محمد الساعدي
ص٧٠٤