ومآربهم وضرورياتهم في مواجهة الحياة وأداء العبادة والخلافة في الأرض ، وحدث الاختلاف بين المسلمين في أُمور لا تمسّ الأركان الإيمانية والإسلامية والأُمور المعلومة من الدين بالضرورة ، واختلفوا إلى مذاهب في الاعتقاد والسياسة والفقه . فالاختلاف نوعان : اختلاف لم يفرّق الأُمّة ، ولا ينبغي أن يفرّق ، ولم يجعل بأسها بينها شديداً ، فهناك اختلافات قد انحرفت عن الدين تارة ، وتارة أُخرى لم تنحرف عن أركان الدين ولكنّها فرّقت الأُمّة وأذهبت ريحها ووحدتها .
فموضوعنا الاختلاف الطبيعي الإيجابي الذي يوفّر الحكمة البالغة ؛ لتكون الأُمّة خير أُمّة أُخرجت للناس على اختلاف شعوبهم وألوانهم وأوطانهم وأزمانهم ، وهي تحمل قيادة البشرية على تعاليم الرحمة للعالمين ، وتطبيق العدالة الإلهية للدولة والعالم وعلى المستوى الأُسري والأُممي رغم التعدّد والتنوّع .
لقد كان الخلاف موجوداً في عصر الرسول صلى الله عليه وآله بين الصحابة الكرام ( رضوان اللَّه عليهم ) ، وبعد ذلك بين الأئمّة المتبوعين الكبار : أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي وغيرهم بين أهل السنّة . ولم يحاول أحد منهم أن يحمل الآخرين على رأيه أو يتّهمهم في علمهم أو دينهم من أجل مخالفتهم ، بل كان الخلاف موجوداً في عصر شيوخ الأئمّة وشيوخ شيوخهم من التابعين الكبار والصغار .
فالخلاف موجود في عهد النبوّة بين الصحابة الكرام ( رضوان اللَّه عليهم ) ؛ نظراً لاختلاف أفهامهم وتفسيرهم للنصوص والأوامر ، فأقرّه ولم ينكره ، كما في قضية صلاة العصر في بني قريظة ، وهي مشهورة ، والخلاف الذي ذهب إليه الرسول صلى الله عليه وآله لحسمه في بني عمرو بن عوف واشنغل في الإصلاح بينهم حتّى تأخّر عن الصلاة ، والخلاف بين الصحابيّين في كيفية التيمم ، وغيرها من القضايا . وهكذا ظلّت كثير من القضايا الشرعية والنازلة يقع فيها الاختلاف بين الجيل الأوّل ، ثمّ يتّفقون عليها ويتسامحون بينهم ، لا سيّما القضايا الكبيرة والمصيرية ، ولا يزال الخلاف قائماً في المسائل الفقهية والعلمية التي لم تكن فيها نصوص قاطعة في الشريعة . فالدعوة الإسلامية منتشرة عبر القارّات ، والفتوحات
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 703
مساهمون: محمد الساعدي
ص٧٠٣