اللذان يحرقان الإدراك بشعاع واحد منهما ؟ واهاً لهذه الحزمة النورانية الجائشة من عينيك ، ولهذه الأرواح المسكينة التي تهفو إليك ! لا تحسبوا أنّي ارتقيت هذا الكرسي لأعظ ، لست عالماً ، فلا يخدعكم هذا الزيّ ، حسبكم علماؤكم يفقّهونكم في دينكم ، ويفتونكم فيما يُشكِل من أُموركم ، ولكن سلوني عن العالم الإسلامي ، فما تركت به بقعة إلّازرتها وطوّفت في أرجائها ، جبت ما بين أقصى الشرق والمغرب الأقصى ، ولم أدع موطناً للمسلمين في آسيا وأوروبّا وأفريقيا إلّايمّمته وتعرّفت ماضيه وحاضره ! وقد حطّمتني الأسفار المتمادية ، وقتلتني الرحلات المتوالية ، ولم أصبر على المضي في طريقي ، لولا نداء لا ينقطع ، ينبجس من أعماق نفسي : ألّا تقف ، تقدّم ، امضِ في سبيلك ، نداء غيرتي على ديني ، والغيرة التي تضطرم كالبركان بين جوانحي ، فلا أُطيق وقوفاً ، ولا أثبت في مكان ، لا يقيّدني حبّ النفس والوطن والأهل والولد ، لا لا ، إنّها لا تُثنيني عن عزمي ، ولا تعدل بي عن مقصدي ، ولا أبغي غير هذا ، ذلكم كلّ أملي لا أبغي سواه » .
ذلك إيجاز بليغ لحياة الداعية الكبير !
لقد أردت أن أكتب عنه فتأخّرت ؛ إذ تقدّم إلى ذلك عاكف العظيم ، ثمّ جاء عزّام الغيور ، فأصاب في ترجمته وأبدع ! وهما بعد أولى بالحديث عنه ، فقد جالساه وشافهاه ، وليس لي غير أن أستعيد ! » .
وها هي بطاقته الشخصية : وُلد الشيخ عبد الرشيد بمدينة تارا بسيبريا سنة 1846 م ، في أُسرة تعتزّ بإسلامها ، ولا يزيدها النكال العنصري من قبل سلطة روسيا القيصرية إلّا تمسّكاً بدينها القويم ، فأُتيح له أن يتلقّى دراسة بصيرة على أيدي أُناس يفهمون رسالة الإسلام حقّ الفهم ، ثمّ أُريد له أن يتزوّد من معين الثقافة الإسلامية بالحجاز ، فارتحل في الثانية عشرة إلى مكّة ، وأخذ في مدى عشرين عاماً يغذّي نفسه بمصادر العربية الصحيحة ، ويُجالس حملة هذا الدين في مهده الأوّل ، مستعيداً تاريخه الأزهر في مرابعه الوضيئة ، وكانت كلّ خطاه ما بين مكّة والمدينة تذكّره بتاريخ السلف ، فتوقد في صدره حمية مشتعلة وغيرة متيقّظة ، وكأنّه قد عزّ عليه في مغتربه النائي أن يترك أبناء وطنه في مجاهل سيبريا
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 608
مساهمون: محمد الساعدي
ص٦٠٨