تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 606

مساهمون:

ص٦٠٦
الجهاد المتواصل معلّم صبيان تقرأ على يديه مبادئ اللغة العربية ، ويُحفّظ الناشئة قصار السور من جزء عمّ ، وبعض المأثور من حديث الرسول صلى الله عليه وآله ، وهو من كبار زعماء الإسلام في ثلاثة أجيال ناهزت القرن ! وقد التقى عبد الرشيد مع جمال الدين الأفغاني في جهة وافترقا في أُخرى ، فقد التقيا في ناحية الشعور الحادّ بوجوب نهضة الإسلام ويقظة بلاده ثمّ التنقّل في شتّى الأصقاع الإسلامية لإيقاظ الغافلين وتنبيه النائمين ، وافترقا في مسلك الدعوة ومنحاها ، فقد كان جمال الدين ثائراً مضطرماً يريد أن يغيّر معالم الدنيا في لحظة عين ، فهو لا يهدأ له قرار ؛ إذ يرى أمثلة مؤلمة من الخضوع والاستكانة والاحتلال ، فيُشعِل الثورات مختاراً جنودها من تلاميذ بررة أمدّهم بروحه ونفث فيهم من حميّته . أمّا عبد الرشيد فقد آثر أن يكون جندياً يدعو إلى اللَّه بالحكمة والموعظة الحسنة ، يؤلّف في صمت ، ويعظ في هدوء ، ويرحل في مثابرة ، ويترك للأيّام أن تُنضج بذوره الطيّبة دون تعجّل ، وقد أحسن اللَّه عاقبته ، فعُمِّر في الإسلام حتّى شاهد نوره يمتدّ على يديه إلى مطارح نائية كانت تعمه في الظلمات ، وما مات حتّى استطاع في سنة 1939 م أن يجبر البرلمان الياباني على الاعتراف بالإسلام واحداً من أديان الدولة الرسمية ! وبهذا الاعتراف بنى الشيخ مسجدين لا مسجداً . يقول الدكتور محمّد رجب البيّومي : « ولقد كنّا نصلّي الجمعة ذات يوم في مسجد الأُستاذ الدكتور عبد الوهاب عزّام رحمه الله ، فحدّث المصلّين عن دعاة الإسلام في العصر الحديث ، وتطرّق إلى الشيخ عبد الرشيد ، فكان ممّا قاله آنذاك : « إنّ من العجب العاجب أن يصدر الشيخ عبد الرشيد مؤلّفه : « عالم إسلام » فلا يذيع وينتشر ويترجم ويعمّ كلّ مكتبة إسلامية ، مع أنّه يجمع مشاهداته للشخصية البصيرة في شتّى ربوع الإسلام : في آسيا وأوروبّا وأفريقيا ! ويصف من أدواء المسلمين وعللهم ما لم يتيسّر الإلمام به لأحد إلّاأن يكون الأمير شكيب أرسلان ! ونحن نرى الآن طبعات متكرّرة لرحلة ابن بطّوطة وأمثاله ، فأيّ شيء تكون رحلة ابن بطّوطة إذا قيست برحلة أكبر داعية في العصر الحديث ؟ ! لقد كان ابن بطّوطة يرحل ليتزوّج ويرى ويتمتّع دون أن يكون له هدف غير تسطير الخرافات