ثمّ رأى الشيخ أن يقوم بجهاده التبشيري ، فتعدّدت رحلاته منذ سنة 1905 م إلى :
تركستان ، ومنشوريا ، وبلاد المغول ، واليابان ، وكوريا ، والصين ، وسنغافورة ، وجزائر ما وراء الهند ؛ ليعلّم الناس أنّ الإسلام دين المستقبل ، وأنّه أوّل دين يهتف بالحرّية والإخاء والمساواة ، فلاقى من الصعوبات الخطيرة ما يؤود العصبة أُولي القوّة ، فكيف بفرد واحد يسافر بعيداً إلى مطارح مجهولة دون عضد من مال أو رفيق ؟ ! ولكنّه حصر رسالته في التبشير الإسلامي ، لا يبالي على أيّ جنب كان في اللَّه مصرعه .
وإذا كان اللَّه لا يضيع أجر العاملين فقد لمس المجاهد الكبير من بشائر التوفيق ما زاده إيماناً وحماسةً ، حتّى ذعرت منه دوائر التبشير المسيحي بآسيا وعدّته - وهو الوحيد الفقير الأعزل - خطراً على جمعياتها التبشيرية ومؤسّساتها المالية ذات المورد الضخم والرعاية الكبرى ، من أُمم غالبة تتحكّم بالمال والقوّة والبطش ، في عصرٍ كانت أوروبّا فيه صاحبة الأمر وباعثة الحضار والمدنية والعلم ، كما يحلو لأذنابها أن يذيعوا ذلك عنها في كلّ مكان !
ولعلّ جهاد عبد الرشيد وحده ممّا يعطي للعالم أجمع أكبر دليل لا يقبل الشكّ على أنّ الإسلام ينتشر بمبادئه وحدها ، وأنّ عوامل بقائه كامنة في تعاليمه ، وإلّا فبأيّ سلاح ضمّ هذا الداعية الغيور إلى الإسلام آلافاً من الناس غير سلاح المنطق والإقناع والدعوة إلى اللَّه بالموعظة ومجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن ؟ !
لقد كان بعض القساوسة من مبشِّري المسيحية في الصين يرى انتصارات عبد الرشيد الرائعة ، فيكتب إلى وزارة الخارجية في بلاده ليسرّ إليها بأنّ المسيحية تعاني كثيراً من جهود عدوّ يزحف عليها بقوّته ! وقد فهمت وزارة الخارجية الأمر على غير وجهه ، فبعثت تتساءل عن قوّة هذا العدوّ ومدى نفوذه الحربي ، فإذا الإجابة المخزية تعلن أنّ الشيخ واحد ذو منطق وإيمان !
ولم يضنّ الشيخ على أحد بتجريباته في الدعوة ومعلوماته الحيّة مستمدّة ممّا رأى وشاهد ، فنشر رحلاته في مجلّدين كبيرين تحت عنوان « عالم إسلام » .
اشتغل بالتحرير في أُمّهات الصحف الإسلامية بتركيا ، وفي طليعتها مجلّتا :
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 610
مساهمون: محمد الساعدي
ص٦١٠