يتعرّضون إلى من يزعزع عقائدهم بشبهات باطلة وأراجيف مختلفة ، دون أن يجدوا من يميّز لهم الخبيث من الطيّب في منطق واضح وإيمان سديد ، فكرّ راجعاً إلى بلده مزوّداً بحصيلة وافية من المعارف الدينية الصحيحة .
ولم تمضِ غير سنوات حتّى عبق أريجه وفاح عرفه ، فانتخب قاضياً بالمحكمة الشرعية ، ثمّ وكيلًا للإفتاء الديني . ولم يكن ممّن تخدّرهم عليا المناصب فيؤثرون الراحة على الجهاد ، بل جعل منصبه أداة توجيه وإصلاح ، فجاهر القيصرية بوجوب العمل على مساعدة المسلمين ومساواتهم بغيرهم ؛ إذ هم سواء في الحقوق والواجبات ، ولكن كلمة الحقّ تصمّ الآذان ، وتثير الحفائظ لدى المغرضين ، فدبّروا أمرهم للوقيعة به ، ولكنّه لمح خيوط المكيدة تُحاك بليل ، ففرّ إلى إستانبول مقرّ الخلافة العثمانية ، وجهر بمآسي قومه في بلاد القيصرية ، ونشر رسالات مدعمة بالوقائع والأسانيد .
حتّى إذا هدأت الحال بعض الشيء لم يرضَ المنصب في دولة الخلافة ، وارتحل ثانية إلى مضمار الجهاد في وطنه ، وكافح وجالد حتّى استطاع أن يستخرج رخصة بإصدار رسائل مؤقّتة تقوم مقام الصحافة ، وأخذ يوالي رسائله باللغة التركية القازانية تحت عناوين : « المرآة ، والصيحة ، وأُلفت » ، وضمّ إليه الطبقة المستنيرة من أبناء دينه ، فكانوا يجمعون المسلمين من كلّ بلاد الروس ليقرؤوا عليهم نشرات عبد الرشيد ، وهي دعوات جريئة إلى الإصلاح الديني ، والتمسّك بمبادئ الإسلام ، واليقظة المتنبّهة إلى ما يدبّره الصليبيّون من مكايد سافرة لا تلتثم بقناع .
ثمّ شاء أن يجعل للّغة العربية نصيباً من دعوته ، لتصل رسالته إلى أبناء الإسلام في الشرق العربي ، فأصدر بعض رسائله المتتابعة بالعربية تحت عنوان : « التلميذ » ، وأسمع بها مأساة قومه في كلّ صقع عربي !
ثمّ شاءت الأقدار أن تندحر جيوش روسيا أمام اليابان ، فاشتغلت القيصرية بنفسها عن التعصّب قليلًا ، ونهض المسلمون بقيادة عبد الرشيد إلى كتابة المقالات الموقظة ونشر الدعوات التحرّرية .
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 609
مساهمون: محمد الساعدي
ص٦٠٩