والكرامات وتدوين ما يسمع من الأعاجيب ، أمّا عبد الرشيد فقد ركب البرّ والبحر والجوّ ليدعو إلى اللَّه ، وكم احتمل عنت ذوي الجهالة وسفاهة أُولي الضلالة ، ثمّ أصدر الكتب النافعة ودوّن رحلاته الماتعة ، فلم تجد من الذيوع ما وجدت رحلات الغرائب والخرافات ! » .
هذا بعض ما يحضرني من حديث الدكتور عزّام رحمه الله ، وقد كانت صلته وثيقة بالشيخ الكبير ؛ إذ سارع إلى التعرّف عليه حين قدم إلى مصر ، فأسعده بزيارة بيته بحلوان عدّة مرّات ، ثمّ رثاه بكلمة متواضعة ، نشرها بإمضاء مستعار بمجلّة « الثقافة » العدد ( 312 ) ، جاء فيها بقلم عزّام : « وكان مجلسه يجمع المختلفين في المآرب والمذاهب على الإعجاب به والعجب منه ، من مُصغٍ إلى شيخ رحّالة مسلم يتحدّث عن جماعات المسلمين ويصف أدواءهم وأدويتهم ، ومن مُنصتٍ إلى عجائب الأسفار وغرائب الأوطان ، ومن مُكبرٍ لهذا الشيخ الوقور لا تقعد به السنّ عن الأسفار البعيدة ، بل رأيت الصبيان يتطلّعون إلى مجلسه ليروا الرحّالة التركي الهرم الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها ، ورأيتهم يسرعون إليه متعجّبين حين طلب ماءً ليشرب ؛ إذ علموا أنّه لا يشرب الماء مجتزئاً عنه بالشاي ، وكانت إحدى أمانيه أن يرى مسجداً في طوكيو ، فاستجاب اللَّه له ، فأراه في اليابان مسجدين » .
وإذا كان الدكتور عزّام أحد كتّاب العرب المعجبين بعبد الرشيد ، فقد كان محمّد عاكف شاعر الإسلام في تركيا - وهو أيضاً صديق عزّام - يقاسمه الإعجاب بالرحّالة الداعية حتّى جعله بطلًا مثالياً لإحدى قصصه الأدبية الهادفة ؛ إذ تخيّله واعظاً وقوراً يقوم بين المسلمين في مسجد سليمان القانوني ، فيشرح للناس بالمسجد الجامع أدواء المسلمين وعللهم ، ويدعوهم إلى الرشاد بعد الغي واليقظة بعد النوم ، ثمّ قال عنه فيما نقله الدكتور عزّام من ترجمة منظومة عاكف : « وأسرعت الجماعة نحو الكرسي ، فيا عجباً ! من علا الكرسي ؟
شيخ إلهي السيما ، كأنّما ينبض قلبه في جبينه ، تحيط لحيته الطاهرة الناصعة وعمامته البيضاء الشاهقة بجبهته الواسعة ووجهه الذي يرفّ عليه ضوء الصباح ، كما تحيط الهالة بالبدر ! ربّ ، ما هذه الصباحة ؟ وما هذه المهابة ؟ وما هاتان العينان ، بل الشهابان السماويان
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 607
مساهمون: محمد الساعدي
ص٦٠٧