ونطلب الإبقاء على الأُمور الجامعة الموحّدة ؛ ليكون سبب ذلك أو هذا الاجتماع على ما ذكره بعض علمائنا [ من ] أن نجتمع فيما اجتمعنا عليه ويعذّر بعضنا البعض فيما اختلفنا فيه .
الثاني : أنّ هذه القضية ، قضية الاختلافات المذهبية والفقهية ، هو أن نجعل من القضايا التي اختلفنا عليها قضايا هامشية مؤجّلة ، نطرحها ولا نختلف عليها ، ولكنّنا نتحاور فيها تحاوراً لا يذهب بالودّ ولا يقضي على الوحدة ، ولكنّه يوحّد بقدر المستطاع ، ثمّ نبقي على ما لا نستطيع الاتّفاق عليه لا يؤثّر على وحدتنا .
في عصرنا هذا الذي ذكرت صفاته وخصائصه في أوّل كلامي لن تستطيع طائفة من الطوائف أن تعيش بمعزل عن الدنيا ، ولن تستطيع الأُمّة الإسلامية أن تكون بمعزل عن الأُمم الأُخرى ، ولذلك فإنّ من أهمّ ما يجب أن ندركه في فهم عصرنا وزماننا لا بدّ لنا ونحن نتحاور ونلتقي ونتفاعل ونختلف ونتّفق مع الشعوب الأُخرى والأُمم الأُخرى لا بدّ لنا من وحدة جامعة ، ولا بدّ لنا من قوّة تذهب عنّا طمع الطامعين وتستردّ لنا الهيبة في هذا العالم والمكانة التي كانت في الماضي .
إنّ الشعوب الأوروبّية التي اجتمعت الآن في وحدة ثقافية واقتصادية وعسكرية وبرلمان واحد كانت بينها حروب طاحنة في الأمد القريب المعاصر ، وفرّقتها أديان وصراعات بين أنواع من الكنائس كلّها معروفة في التاريخ ، وفرّقتها كذلك ألسنة واختلافات ثقافية عديدة ، ولا شكّ أنّكم لا تحتاجون إلى تذكير أنّ الحرب العالمية الأُولى والحرب الثانية لم تكن إلّابين الشعوب الأوروبّية ، ومع ذلك فقد أدركت هذه الشعوب أنّ قوّتها في عالمنا المعاصر في وحدتها ، ولذلك جلست تدرس أسباب الوحدة الاقتصادية أوّلًا ثمّ الثقافية ثمّ السياسية ثمّ العسكرية ، فهي الآن تضرب عن قوس واحدة ، وتربّي أبناءها على وحدة ثقافية ، بحيث يستطيع الشاب أو الطالب أو الطالبة الجامعية أن تخرج من بيتها في أيّ قطر من أقطار أوروبّا وتسافر من غير جواز بأنحاء أوروبّا وبغير تأشيرة . .
وكان المسلمون أولى بذلك ؛ لأنّهم عاشوا به قبل قرون طويلة ، كانت العملة الإسلامية
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 599
مساهمون: محمد الساعدي
ص٥٩٩