أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
، وكان تفسير ذلك في قول النبي :
« لا فضل لعربي على أعجمي ، ولا أعجمي على عربي »
، فكان ذلك تفسيراً لقوله تعالى :
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
، ولكنّ الأُمّة منذ زمن طويل دبّت فيها أنواع من العصبيات والقوميات والأحزاب القائمة على الاحتفال بالعرف والاحتفال باللون والاحتفال بالشعب والاحتفال بالقطر ، إلى أن أصبحت هذه العصبيات ديناً جديداً يفتّ في وحدة الأُمّة وفي عضدها ويفرّقها أيّما تفريق ، ولا سبيل إلى وحدة إسلامية جامعة حتّى يعلم المسلمون أنّه يجب أن يكون الدين أعلى من كلّ تلك العصبيات والقوميات ، وأن يكون اللَّه سبحانه وتعالى فوق ذلك جميعاً ، وأن يكون ولاء المسلم لدينه ولأُمّته فوق الولاء للوطن وفوق الولاء للقطر وفوق الولاء للإقليم وفوق الولاء للقبيلة .
أمّا فيما يتعلّق بقضية الفرقة التي صارت بسبب المذهبيات فإنّ هذه المسألة إذا أردنا أن نفيض فيها وجدنا في تاريخنا عجباً ! نسي الناس كثيراً من العصور الإسلامية أنّهم يجمعهم دين واحد وربّ واحد ، ويجمعهم كتاب واحد وقبلة واحدة ، تجمعهم عقيدة التوحيد والإيمان باللَّه عزّ وجلّ واليوم الآخر والبعث والحساب ، وتجمعهم شرائع كثيرة جامعة وأُصول متّفق عليها ، ومن بعد ذلك تفرّقوا على قضايا مذهبية ، كثيرمنها حقير ، ما كان يجب أن يفرّق الأُمّة ، حتّى أنّ بعض المذاهب كان بعضها لا يصلّي مع بعض ، ولا يجب أن تحسبوا إن كان هذا فقط بين السنّة والشيعة ، ولكن كان في إطار الشيعة اختلافات من هذا النوع ، وكان في إطار السنّة اختلافات من هذا النوع ، فرّقت الناس وتقاتلوا عليها ومزّقتهم أيّما تمزّق ، كلّ هذا التراث المتباين من اختلافات فقهية أو أُصولية لا يجب أن يعلى به فوق الأُصول الجامعة ، ولن نستطيع أن نجمع الناس وقد تفرّقوا على مذهب واحد أو على مذهب قانوني أو فقهي أو أُصولي واحد ، فهذا من سنن الكون ، فاللَّه سبحانه وتعالى يقول :
وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ
( سورة هود : 118 ) ، أي : أنّ الاختلاف يقع بين الناس ، فهو سنّة من السنن الكونية التي تحدث في كلّ شعب وفي كلّ أُمّة مع الزمن ، لكنّ الوحدة التي يجب أن نطلبها هي الوحدة التي لا تتحقّق مع كلّ هذه الاختلافات إلّالسببين :
الأوّل : أن نعلم أنّ هذه الاختلافات مع كثرتها وتعدّدها هي اختلافات صغيرة ، فنلتقي