وفي تشخيص الكواكبي لأسباب تخلّف المسلمين - والذي سمّاه « الفتور » الذي يحول بين الأُمّة وبين الحركة والنهضة - رصد - وخاصّة في كتابه « أُمّ القرى » - كلّ الأمراض التي أصابت الحضارة الإسلامية ، الخطير منها والصغير ، وسلّط الضوء على الأسباب الأساسية للتخلّف ، مثل :
1 - عقيدة الجبر والزهد المفضية إلى لون من التصوّف المعطّل لطاقات الناس ، فالطرق الصوفية - وليس التصوّف المهذّب للنفس والمزكّي لها - قد اجتذبت جماهير غفيرة ، أدارت ظهرها لأسباب التقدّم وسننه وقوانينه ، وأخلدت إلى التواكل واستنامت للبدع والخرافات .
2 - انعدام التنظيمات والجمعيات التي تؤلّف بين طاقات الناس ، وتضمن للأفكار بالشورى حصافة أكبر وحصانة تفوق الآراء المفردة ، كما تضمن للمشاريع الكبرى الدوام الذي يتجاوز عمر الأفراد وهممهم . وبعبارة الكواكبي : « فإنّ الجمعيات القانونية المنتظمة يتسنّى لها الثبات على مشروعها عمراً طويلًا ، يفي بما لا يفي به عمر الواحد الفرد ، وتأتي بأعمالها كلّها بعزائم صادقة لا يفسدها التردّد ، وهذا هو سرّ ما ورد في الأثر من أنّ يد اللَّه مع الجماعة ! » .
وهو بذلك قد نبّه على أهمّية وضرورة التنظيمات السياسية والأحزاب والجمعيات كأدوات للنهضة وأوعية لتجميع وترشيد طاقات الأُمّة الإسلامية .
3 - الإغراق في الشهوات الحسّية على النحو الذي لا يميّز بين رسالة الإنسان وغرائز الحيوان في هذه الحياة !
4 - اختلال التوازن بين شؤون الدنيا وشؤون الآخرة في حياة عامّة المسلمين ، على النحو الذي جعل « من دأب الشرقيّين ألّا يفكّروا في مستقبل قريب ، كأنّ أكبر همّهم منصرف إلى ما بعد الموت فقط » ، على حين أنّ الإسلام قد جعل الدنيا عنواناً للآخرة ، ونبّه على أنّ اختلال التوازن بينهما لا بدّ وأن يفضي إلى خسران الصفقتين معاً .
لقد نبّه الكواكبي إلى كثير من أمراض الفكر والسلوك المتوطّنة في حياة العامّة والخاصّة ، وسلّط كلّ الأضواء على أمراض الإدارة العثمانية ، أمراض الظلم الاجتماعي ،
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 591
مساهمون: محمد الساعدي
ص٥٩١