تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 566

مساهمون:

ص٥٦٦
واعية لاقطة وحسّاً مرهفاً ، ويدلّ على ذلك هذا القدر الهائل من المحفوظات الإسلامية والأدبية ، وخاصّة الشعر القديم والحديث الذي يتخلّل استشهاداته وأدلّته على ما يقول أو يعرض من قضايا ومواقف وآراء . . ثمّ إنّه إلى جانب ذلك أُوتي حظّاً عظيماً من ملكة التعبير وحسن الصياغة وجمال البيان ، قرّب إليه رجل الشارع البسيط ورجل الثقافة العميق ، ففهموا عنه وتأثّروا به . ومن المفارقات أنّ مثقفي المقاهي في القاهرة - وهم خليط من الشيوعيّين والعلمانيّين وغيرهم - شدّتهم ظاهرة الشيخ كشك في الستّينيات والسبعينيات ، وكانوا في أوّل الأمر يسخرون منه ومن خطبه ، ولكنّهم بعدئذٍ رأوا فيه نموذجاً فريداً للمقاومة الرائعة التي لا تخشى إرهاباً ، ولا تخاف سجناً ، ولا تعمل لحساب أحد غير اللَّه . في مسجد الملك - عين الحياة - أو مسجد الشيخ كشك كما صار يسمّى - وإلى الآن - قامت مؤسّسة تربوية وثقافية واقتصادية واجتماعية ، ويعدّ الشيخ رحمه الله من أوائل من فكّروا في دروس التقوية المجّانية داخل المساجد ، فكان يدرّس للطلبة بنفسه علوم النحو والصرف والبلاغة والأدب ، وأصدقاؤه يتولّون تدريس المواد الأُخرى مثل الإنجليزية والفرنسية والجغرافيا والتاريخ والرياضيات ، وكان مسجد الشيخ كشك ملاذاً للمأزومين وذوي الحاجات وأصحاب المشكلات والباحثين عن عمل ، وكان هؤلاء جميعاً يجدون بفضل اللَّه حلّاً لمعاناتهم ؛ لأنّ الرجل كان مخلصاً ، ويعمل لوجه اللَّه ، لا يريد من أحد جزاءً ولا شكوراً . . . لقد كان مسجده بحقّ فرعاً من فروع المدرسة المحمّدية بكلّ خصائصها الإنسانية الرائعة ، وساعة كان يصعد المنبر يعلن : هنا مدرسة محمّد صلى الله عليه وآله ، وكان العمل والقول متطابقين في المسجد الذي تحوّل بحقّ إلى مؤسّسة تحلّ مشكلات الجمهور دون أن تكلّف خزينة الدولة قرشاً واحداً . ولكن هل رضيت السلطة بذلك ؟ هل شكرت للرجل تعليمه للشباب وتربيتهم وحلّ معضلات حياتهم ؟ كلّا . . بل كافأته على ذلك باستدعاءات كثيرة للتحقيق معه حولما يقوله على المنبر وفي دروسه ، وأدخلته السجن أكثر من مرّة ، وعذّبته ، وضيّقت عليه ، وهو صاحب البصيرة الذي يحتاج إلى من يعينه لا من يعنّيه ، وسلّطت عليه موظّفي الأوقاف بدءاً من الوزير حتّى الخفير ترهيباً له وترغيباً ؛ كي يكفّ عن مهاجمة الانحراف ، والدفاع عن