تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
المتطلّع إلى مشروع بدأت آثاره تظهر في طريق العودة إلى جزّين . لم يعد الشهيد مباشرة إلى جزّين مكتفياً بهذا القدر من العلم الذي حصل عليه رغم الحنين والشوق إلى الوطن والأهل ، بل عمد إلى التوجّه إلى المراكز العلمية عند علماء السنّة ، ليطّلع أوّلًا على المخزون العلمي والفكري لدى فقهائهم ، وثانياً كيما تنشأ علاقة تمهّد لطرح مشروع يفتح باباً كبيراً للحوار مع الفكر السنّي ، ويؤسّس لأنماط من العلاقات المختلفة ، ويقطع الطريق على من سيلحق الضرر بالمصالح الكبرى لهذه الأُمّة مستغلّاً تفكّكها . ففي سنة 758 ه اتّجه الشهيد الأوّل إلى بغداد ، وأقام فيها مدّة من الزمن ، كما ينقل ابن الجزري في طبقات القرّاء ، حيث درس على فقهاء أهل السنّة ، ومنهم شمس الأئمّة الكرماني محمّد بن سعيد الفرشي الفقيه الشافعي ، بعد ذلك غادر بغداد باتّجاه عواصم ذات طابع سنّي ، مثل دمشق والقاهرة ومكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة ومقام الخليل إبراهيم ، وبتعبير منه رحمه الله : « إنّه درس على أربعين شيخاً من علماء أهل السنّة » ، وأحصاهم في إجازته لابن الخازن الحائري في دمشق 784 ه والموجودة في « بحار الأنوار » . بعد كلّ هذه الرحلة الطويلة والتنقّل في مدارس العلم عند الشيعة والسنّة استطاع الشهيد أن يتحوّل إلى رمز كبير في العالم الإسلامي ، وهنا يظهر من جميع ما تقدّم أنّ الشهيد الأوّل كان يحضّر لمنهجية جديدة تخدم المسلمين عامّة ، مستفيداً من أوضاع مختلفة : منها : مرحلة دولة المماليك التي لم تلتفت إلى الاختلاف المذهبي ، ولم تحرّض عليه ، وكلّ همّها التمسّك بالسلطة ، خصوصاً أنّ الحكّام كانوا من الأُمّيّين . ومنها : بقاء جزّين خارج الاحتلال الصليبي ، واعتبار جبل عامل وجزّين بالذات قاعدة لهذا المشروع ، وكون دمشق عاصمة للسلطة السياسية من جهة ، والأقرب للمعاهد السنّية من جهة أُخرى ، ممّا استوجب لحضوره هناك رادعاً من أيّ تأثير خارجي على مشروعه الوحدوي النهضوي . من هنا جاء رفضه لطلب حاكم خراسان علي بن المؤيّد ، حينما دعاه إليها ليكون