معنى ذلك أنّ الوحدة عرضة للتغيّر بعد حين ، وهو اجتماع لا محالة آيل إلى الفراق ؛ لأنّ هذه الأُمور مع تقدّم الوقت وسماع الإنسان أدلّة أُخرى ووجهات نظر أُخرى تتغيّر قناعته ، ويبدأ التحرير والبحث والتحقيق ، خصوصاً إذا كان عنده قدر من الولاء للحقّ والرغبة في الوصول إليه ، فيؤول الأمر إلى انشقاق طويل عريض .
والاجتماع لا يكون إلّاعلى قبول الاختلاف ، فقد اختلف الأنبياء ( عليهم الصلاة والسلام ) في حالات متعدّدة والوحي يتنزّل عليهم صباح مساء . ومن ذلك قصّة موسى ( عليه الصلاة والسلام ) لما ذهب إلى ربّه وترك أخاه هارون مع قومه وقال له :
اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
( سورة الأعراف : 142 ) ،
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ
( سورة الأعراف : 148 ) ، فنهاهم هارون ( عليه الصلاة والسلام ) عن ذلك وقال : « إنّما هذا من الشيطان وإنّما فتنتم به » ، وأمرهم باتّباع موسى ( عليه الصلاة والسلام ) ، ولكنّه بقي معهم ، فلمّا جاء موسى ( عليه الصلاة والسلام ) ورأى ما رأى غضب
وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ
( سورة الأعراف : 150 ) ، وعاتبه موسى على ذلك :
قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي
( سورة طه : 92 - 93 ) ، فكان موسى يعتب على هارون ويطالبه بموقف آخر مختلف غير الذي فعل ، فيقول له هارون :
قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
( سورة طه : 94 ) ، أي : أنا نظرت إلى الموضوع من زاوية ثانية ، رأيت ألّاأُفرّق هؤلاء ، وأن أبقى معهم حتّى تعود وترى فيهم رأيك وأمرك . ولهذا قال قتادة عند هذه الآية : « قد كره الصالحون الفرقة قبلكم » . فهارون ( عليه الصلاة والسلام ) كان مأخذه الحرص على بقائهم واجتماعهم حتّى يأتي موسى ( عليه الصلاة والسلام ) فيعالج الأمر بما يراه ، مع أنّه بذل لهم النصيحة والوسع . فهذا نموذج للاختلاف في معالجة بعض المواقف الطارئة أو المستجدّة ، أو ما يسمّى لدى الفقهاء بالنوازل ، حتّى بين الأنبياء ( عليهم الصلاة والسلام ) .
وذلك أنّه اختلاف اجتهادي إجرائي مبناه على تحصيل مصلحة الإسلام العليا ، وليس