الموجز الدقيق بحياة النبي الكريم ، كما فعل السير أرنولد في كتابه « الدعوة إلى الإسلام » ، حيث مهّد لكتابه ببحث في سيرة الرسول ، لا يتمّ الحديث عن الإسلام إلّابه . وفائدة ذلك أن يربط القارئ المحايد بين سيرة نبي الإسلام وما جاء به من تعاليم ، ليراه صادقاً كلّ الصدق في اتّباع ما جاء بالقرآن ؛ لأنّ بعض الداعين إلى الفضائل ينادون بها في إلحاح ، وهم في أعمالهم يخالفونها كلّ المخالفة ، ومثل هؤلاء يخفقون في نشاطهم القولي لأنّهم مراؤون ، فإذا أشبع الحديث عن نبي الإسلام تعرّض للإسلام من حيث هو نظام اجتماعي يربط بين الطبقات ويوحّد بينها ، ومعتمده في ذلك القرآن الكريم ؛ لأنّه الأساس الأوّل للبناء الإسلامي الوطيد ، من حيث إنّه قانون راسخ لدين اجتماعي مدني متحضّر خُلقي تشريعي سياسي ، وهو المسيطر على المسلم الحقيقي في كلّ اتّجاهاته ، يراه قبلته التي لا يحيد عنها .
وهكذا كان توضيح الإسلام عن طريق الإسلام صدمةً للذين افتروا على الدين الكاذب في أُوروبّا ، فجعلوه دين نزق وشهوات ، بل جعلوه دين تثليث في بعض كتاباتهم ، ليقولوا : إنّه نقل التثليث عن المسيحية ، ولا أدلّ على البهتان من هذا الافتراء .
وقد أشبع الكلام عن الجزية والخراج ليردّ على من قالوا : بأنّ الدين الإسلامي يستبيح أموال الناس ؛ لأنّ الجزية في قدرها المحدود فرضت نظير ما يقوم به المسلمون من الدفاع عمّن يلوذون بهم ، فإذا دافعوا مع المسلمين في معركةٍ ما سقطت عنهم ، وتاريخ الإسلام في صدر الفتوح شاهدٌ على ذلك ! ولهذا اتّسعت صحف الكتاب لمواقف خالدة من سير القادة في اطّراد النمو الإسلامي ، حتّى جاءت عصور الضعف ، وتعرّض الإسلام لإعصار رهيب من ناحية المشرق ، حيث هجم التتار والمغول على الحضارة الإسلامية ، يُريدونها بربريّة متوحّشةً ، وحين هجم الصليبيّون من الغرب لينقلوا عن الإسلام حضارته التي أعوزتهم في حياتهم القاسية ، ثمّ انتبه الغرب على صوت الإسلام بالأندلس والاختلاط بالمسلمين في الحرب الصليبية ، فبدأت دورة نهضته حين بدأ النهوض الإسلامي في الانتكاس .
ويلي ذلك حديث عن الإسلام في أوروبّا ، ومن يتحدّث عن ذلك غير خبير ذكي كالدكتور زكي علي ؟ ! إذ لمس وشاهد عن عيان لا عن قراءة وإخبار ، محلّلًا ما رآه من
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 405
مساهمون: محمد الساعدي
ص٤٠٥