تاريخ الطبّ الفرنسية ، ونشر عدّة رسائل باللغات الأجنبية في باريس وفينّا وبرلين عن الطبّ العربي ، ورأى من الأولى والأهمّ أن يتحدّث عن الإسلام في قوم ينكرون له كلّ فضل ، فأخذ يتنقّل في عواصم أوروبّا ليجتمع بالمسلمين النازحين والمقيمين متحدّثاً عن وجوب العمل الدائب لإيضاح رسالة الإسلام ، ومُلقياً عدّة محاضرات عن ماضي الدين وحاضره . . وأمام ما يتطلّبه الجهاد الشاق من عمل ترك مهنة الطبّ حين ضحّى بوظيفته التي بُعث لتثبيتها علمياً بدرجة علمية أرقى من باريس ، وعكف على الجهاد ، فبدأ بتأسيس الرابطة في فينّا ، ودعا إلى عرض قضايا الأُمّة العربية في مصر والشام والعراق والمغرب عاملًا على التحرّر النهائي من الاستعمار الأوربّي .
ومن ثمّ انتقل إلى سويسرا ليستقرّ بها مناضلًا مكافحاً ؛ إذ رأى ضوء الحرّية بهذا البلد المحايد أشدّ سطوعاً وأهدأ مراقبةً وسؤالًا ، فآثره واجتباه . أمّا انتقاله إلى سويسرا فقد كان باقتراح الأمير شكيب أرسلان زعيم المجاهدين في أوروبّا ؛ إذ لمس من نشاطه الإسلامي ما دعاه إلى مجاورته في جنيف ، وحسناً فعل ، فإنّ نشاط الدكتور العلمي بهذا الوطن قد واكب نشاطه العملي ، حيث نظر فوجد هجمات التبشير تغزو المسلمين في ديارهم ، حتّى في مصر موطن الأزهر والعروبة والإسلام ، كما قرأ أنّ المسلمين في تناقص مستمرّ ، قرأ ذلك لمبشّر كاذب نشر إحصائية مخطئة ، فدعاه ذلك إلى البحث عن أحوال المسلمين في شتّى ربوع البسيطة ، وأن يثبت بالدليل العلمي والإحصاء الرسمي أنّ المسلمين في ازدياد ، لا في نقصان ؛ لذلك عمل على تأليف كتاب « الإسلام في العالم » ليُثبت بالإحصاء الدقيق كذب هذا الافتراء ، وكان للكتاب صدىً مجلجل في العالم كلّه ، وبخاصّة في مصر والهند ، حيث أُفردت المقالات الوافية لتحليله والإشادة به .
وقد تحدّث المؤلّف في صدر الكتاب عن شيء من سيرته ، حيث أعلن أنّه حين ابتعث إلى أُوروبّا لم يكن له مقصد غير دراسة الطبّ ، لكنّه اكتشف جهلًا مطبقاً عن الإسلام في كلّ مكان قصده بالغرب ، وتشويهاً متعمّداً لكلّ حقائقه التي ينطق بها القرآن صريحاً دون لبس ، ثمّ تهجّماً فاحشاً على الرسول الأكرم محمّد صلى الله عليه وآله ! لذلك وجد من الضروري أوّلًا الإلمام
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 404
مساهمون: محمد الساعدي
ص٤٠٤