تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
وأنا الذي لا يملك آنذاك بزّة ولا أحفظ القرآن ! ما زلت أذكر الآيات التي استشهد بها في تلك الندوة ، ومنها آيات سورة الأنعام التي تحكي قصّة إبراهيم مع أجرام السماء ، وقد أسقط الترابي ذلك على الواقع السوداني ، وقال : « إنّ الشعب السوداني مثل إبراهيم ، إذا رأى الشمس بازغة قال : هذا ربّي ، وكذلك هو كلّما رأى حكومة عسكرية قال : هذا ربّي . . حتّى إذا أفل كأُفول الشمس قال : لا أُحب الآفلين ! » . طبعاً الفكرة التي قالها الترابي بسيطة ، لكن مبدأ استخدام القرآن في التعاطي مع الواقع والسياسة كان مؤثّراً فينا ، ونحن لا نحفظ إلّاآيتين أو ثلاثاً نصلّي بها . وكذلك هالني إقبال الناس على سماع الترابي وإخوانه ، حتّى إنّ الجمهور كان يصعد على الكراسي بقدميه ليرى الترابي ، ونحن كنّا تجّاراً وندرك معنى تلك التصرّفات ودلالاتها . وعلى الجهة المقابلة كانت هناك محاولات من الشيوعيّين لتجنيدنا ، وقد سعوا معنا ودعونا لمحاضرات وندوات . . لكن لم تستهونا مثل ندوات الإسلاميّين . قد بدأ الالتزام عندي بمدرسة « حنتوب » الثانوية بعدما تعرّفت على الإخوان ، وحنتوب مدرسة للمتفوّقين ودرس بها أغلب مشاهير السودان ، وفيها أمسكت المصحف لأوّل مرّة ، فحياتنا لم يكن فيها مصحف ، ولا تتعدّى علاقتي به رؤيتي له في رفوف المسجد ، ودخلت خلوة قرآنية لأيّام لا تتعدّى 20 يوماً ، ولكن الذي فتح أمامي نافذة الالتزام بالإسلام التجديدي الحي هو سيّد قطب . شدّني في كتاب « معالم في الطريق » احتقاره للحياة التي أعيشها ( حياة الحصاحيصا ) ، ووصفه لها أنّها جاهلية ، فأنا كنت أقرأ الكتاب ، وأتذكّر حياة الحصاحيصا بصفوف الرجال أمام بيوت الداعرات ، وبارات الخمر التي أعبرها كلّ يوم ، بل وأحياناً أُرسَلُ إليها لجلب الخمر . أيضاً وصف قطب لهذه الحياة بالجاهلية وكلامه عن ( الاستعلاء الإيماني ) خلقت فينا إرادة لأن نستعلي على حياة الحصاحيصا ، بل والدنيا كلّها ، خاصّة أنّ المدّ الشيوعي كان طاغياً ، فجاءت كلمات سيّد قطب بمثابة قوّة نفسية موازية لكلّ القوى