والتجمّعات الدينية كانت متصالحة مع اللاتديّن الموجود ، وكان هناك تآخٍ بين المئذنة وحلبة القمار ، وبين البار والمقهى !
كان هناك تخليط كبير في الأوضاع والمفاهيم في الحصاحيصا . . أطللت على الدنيا من خلال هذا التخليط ، وخرجت من بين فرث ودم ، لكن ليس لبناً خالصاً ، وفي هذا التخليط كنت حريصاً على قراءة المجلّات المصرية ، والجرائد السودانية ، وكنت ألتهمهما التهاماً ، وكنت أقرأ - وأنا طالب في المرحلة الأوّلية والمتوسّطة - ثلاث أو أربع جرائد يومياً ، وأقرأ الألغاز البوليسية مثل أرسين لوبين ، وشارلوك هولمز ، والروايات العالمية ، وروايات الهلال ، وطه حسين ، والعقّاد إذا استطعنا ، وجاء التحوّل الكبير حينما قرأت كتاب « معالم في الطريق » للشهيد سيّد قطب !
أخي الأكبر توفّي في العام 1950 م ، ولم أره ، فقد ولدت بعد وفاته ب 9 سنين ، ولكن يبدو أنّه كان ذا ثقافة دينية ؛ لأنّه كان يدرس في المعهد العلمي ، كتبه كانت موجودة في البيت ، ولكن لم نكن نقرأ منها إلّامقامات الحريري ، أمّا بقية ميراثه من الكتب الصفراء فكانت الأُسرة تحتفظ بها في « شنطة » كبيرة . وكنّا نذهب إلى السينما والموالد ، ونقف في المولد في حلقة القمار ، ونشهد حلقة الذكر الصوفي ، دون أن نتأثّر بهذا أو ذاك ، وأذكر أنّنا كنّا نتأثّر جدّاً بخطابات جمال عبد الناصر ونتعاطف معه .
في المدرسة الوسطى بدأنا نعرف الإخوان المسلمين ، وبعد ثورة أُكتوبر انفتح الباب أمام التيّارات الفكرية الجديدة التي غابت أيّام الحكم العسكري . وفي أُكتوبر شاركت في المظاهرات ، وبعد أُكتوبر شاركت في أوّل ندوة بالحصاحيصا ، وكنت وقتها في الصفّ الثالث بالمرحلة الوسطى ، سمعنا حسن الترابي ، وعبد اللَّه حسن أحمد ، وزين العابدين الركابي ، وتأثّرت بهذه الندوة وشعرت أنّني أنتمي لهؤلاء الناس !
بعدها قرأت « معالم في الطريق » ، وبعد أقلّ من عام التحقت بمدرسة حنتوب الثانوية ، ووجدت الإخوان هناك ، وكان أنتمائي لهم تحصيل حاصل .
أعجبني أوّلًا الجو الحداثي ، فالترابي كان يلبس بزّة فخمة ويستشهد بالقرآن الكريم ،
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 327
مساهمون: محمد الساعدي
ص٣٢٧