تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
ويصلّون خلف إمام واحد ، ويتلون كتاباً واحداً ، ويتوجّهون إلى قبلة واحدة ، ويؤدّون أعمالًا واحدة ، ويتلون كتاباً واحداً ، ويتوجّهون إلى نقطة واحدة ومركز ثابت ، لا يتحوّلون عنه ولا يلتفتون . وتأدية هذه العبادة في جماعة أمر مقصود ، أشار إليه قوله تعالى :
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ
، فالركوع مطلوب ، ولكنّه مطلوب مع الراكعين لتترسم صورة حيّة ماثلة للوحدة الإسلامية . وشتّان بين وحدة ألّفتها يد اللَّه واعتصمت بحبل اللَّه ، وبين وحدة جمعتها المصالح والأهواء ! فإنّه لا شكّ مآلها الانهيار ؛ لأنّها تقوم على شفير هار . وإنّ الدارس للسيرة والتاريخ ليتجلّى له بوضوح أنّ أسباب نصر القلّة المؤمنة على الكثرة الكافرة بعد الإيمان باللَّه والثقة به لهو التماسك والاتّحاد في الصفّ المؤمن مقابل تشتّت باد وإن توارى خلف انضمام ظاهري الشكل ، فالأحزاب الباغية حينما أتوا إلى المدينة بغية القضاء على الإسلام والمسلمين كانوا كثرة عددية ترهب وترعب ، لكنّها كانت تنقصهم الوحدة الجامعة والأُلفة الرابطة ، فتشتت الشمل وتفرّق الجمع وتبعثر الصفّ . فالأعداد مهما كانت كثرتها إذا كانت أعداداً غير متكاتفة ولا متّحدة كانت كما لا قيمة له ؛ لأنّها أشبه ما تكون حينها بغثاء السيل الذي يجري إلى غير هدف معلوم أو مجرى مرسوم . وهذا ما كان يخشاه صلى الله عليه وآله على أُمّته حين قال : « يوشك أن تداعى عليكم الأُمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتهم » ، قالوا : أَو مِن قلّة نحن يومئذٍ يا رسول اللَّه ؟ قال : « بل أنتم يومئذٍ كثير ، لكنّكم غثاء كغثاء السيل » . إنّ الأُمّة إن لم تتّبع السبيل نفقت هي أنفاق السبل ، وإن لم يجمعها الحقّ شعّبها الباطل ، وإنّ التاريخ يقول : إنّ الأُمّة لم تحقّق غاياتها وتدرك أمانيها إلّامن خلال الوحدة وفي نطاق الجماعة ، كما أنّها لم تضعف ولم تنتكس إلّابسبب الفرقة والاختلاف ، وإنّ الاختلاف ليضعف الأُمم القوية ويميت الأُمم الضعيفة ، كما أنّ في الاتّحاد قوّة للضعفاء . وقديماً شرح هذا المعنى حكيم لأبنائه ؛ إذ قدّم إليهم حزمة من العصي ، فعجزوا عن