نفسه لبنة في هذا الصرح العظيم ، فقال : « مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بني بنياناً فأحسنه وأجمله إلّاموضع لبنة ، فجعل الناس يطوفون به ويقولون : ما رأينا بنياناً أحسن من هذا إلّاهذه اللبنة ، فكنت أنا تلك اللبنة » .
فالدين إذاً دعوة إلى الوحدة الجامعة المبنية على الأُصول الثابتة ، ودعوة إلى العودة إلى الوحدة ، قال تعالى :
وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا
، وقال :
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ
، أي : فاختلفوا فبعث اللَّه النبيّين لإخراجهم من الاختلاف وإرجاعهم إلى الوحدة على اختلاف معانيها . ويذكّرهم القرآن بأصلهم الواحد وأنّ تشعّبهم الناتج عن كثرتهم لا يسوّغ لهم التفرّق ، قال تعالى :
إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا
.
لقد قام الإسلام على ركنين أساسيين : « كلمة التوحيد » و « توحيد الكلمة ، فكلمة التوحيد هي الباب الوحيد الذي يدخل منه الناس إلى ساحة الإسلام ، وتوحيد الكلمة هو التطبيق العملي لكلمة التوحيد . فكلمة التوحيد باب الإسلام ، وتوحيد الكلمة سرّ البقاء فيه والإبقاء عليه ، ولا شكّ أنّ التوحيد يبعث على الوحدة .
ودعا الإسلام الناس جميعاً إلى كلمة سواء أن لا نعبد إلّااللَّه حتّى لا نكون كالعبيد المملوكين عند الشركاء المتشاكسين ، وكلمة التوحيد هي العنصر الأساس في توحيد الأهداف والاهتمامات والتصوّرات ، وهذا يجعل الجماعة متقاربة متآلفة متوحّدة ، وذلك أنّ كلّ فرد من أفرادها يرتبط بغيره على أساس الإيمانباللَّه ، فيكون البنيان متآلفاً والجميع متماسكاً ، قال تعالى :
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا
.
وقد جاءت العبادات في الإسلام ترجمة لهذا المعنى مرسّخة لهذا التلاقي في تدريب عملي حتّى لا يصيبه ضعف أو يعتريه وهن . . فالصلاة هي الصلة الدائمة المتكرّرة باللَّه سبحانه وتعالى ، ينادي منادي الإيمان ويرفع الأذان ، فيترك المسلمون ما بأيديهم من أشغال وما في أفكارهم من مشاغل منطلقين صوب النداء ، فتجتمع الأبدان ، وتتعارف الوجوه ، وتتصافح الأيدي ، وتتآلف القلوب . . يقومون في صعيد واحد ، يناجون ربّاً واحداً ،