تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
فالتقى ماء الحضارات المختلفة على أمر قد قدّر ، ولم تعد عزلة البعض عن البعض ممكنة حتّى لو كانت في نظر البعض جائزة أو نافعة ، وصار أبناء الثقافات المختلفة يواجه بعضهم بعضاً بلا حاجز ولا وسيط ، وبدأ الناس يتساءلون في إشفاق وتوجّس : أيكون هذا اللقاء لقاء تعاون على البرّ والخير وما ينفع الناس كلّ الناس ؟ أم يكون لقاء عداوة وصراع ومحاولات ضاربة للاستئثار بخيرات الدنيا وثمرات العلم استئثاراً يستعبد به الآخرون كلّ الآخرين ؟ لقد زالت الحجب والستر التي كانت تزيّن لنا - نحن المسلمين - أنّ في وسعنا أن نقضي عمرنا كلّه وعمر أجيالنا من بعدنا في حوزة ثقافية مغلقة لا يدخلها علينا أحد إلّا برضانا وإذننا ، وصار علينا فجأة أن نواجه طوفاناً من « الوافدين » ، ناساً من الناس ، وأفكاراً غير أفكارنا ، وقيماً غير القيم التي أقمنا عليها حياتنا كلّها وأدرنا بها شؤوننا كلّها . . لقد صار علينا اليوم - نحن المسلمين - أن نتذكّر من جديد ما علّمه الإسلام للمؤمنين به من أوّل يوم من أنّهم ليسوا وحدهم في هذه الدنيا ، وأنّ تعدّد الأجناس والألوان واختلاف الألسنة والعقائد والأفكار سنّة من سنن اللَّه من خلقه وناموس من نواميس في هذا الكون ، وأنّه سبحانه أراد بهذا التنوّع أن يتبادل الناس الخبرة ، وأن يتعاونوا على البرّ والخير متسابقين إلى ذلك ومتنافسين فيه :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
( سورة المائدة : 48 ) . ثانياً : أنّ انهياراً حادّاً ومفاجئاً قد وقع في التوازن الدولي مع بداية العقد الأخير من القرن الماضي ، وذلك بسقوط ما كان يسمّى « المعسكر الاشتراكي » الذي كان - بغضّ النظر عن محتواه الأيديولوجي وناظمه السياسي والاقتصادي » - يحقّق توازناً في العلاقات الدولية تستفيد منه الدول النامية والصغيرة ، وبانهيار ذلك المعسكر انفرد القطب الدولي الأخير بموضع الصدارة والقيادة والقدرة على التأثير المباشر على العلاقات الدولية مانحاً نفسه حقّ التدخّل في شؤون الآخرين وفرض هيمنتهم عليهم وعلى قراراتهم السياسية والاقتصادية والثقافية . . ولقد تمكّن هذا القطب الواحد حتّى الآن من فرض هيمنته هذه بما كان قد توفّر له من تقدّم علمي وتقني هائل وقوّة اقتصادية ضخمة وآلة عسكرية بالغة