تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
من عواقب هذا التفريق مدركين أنّ الاختلاف في الرؤية والرأي قد يكون رحمة ونعمة حين يلتزم أصحابه منهجاً علمياً وأخلاقياً صارماً في التعامل معه وفي إدارة الحوار « بالتي هي أحسن » حول مواضع ذلك الاختلاف . . ولكنّه ينقلب إلى « نقمة » تنذر بأخطار جسيمة على الأُمّة كلّها حين تزايله روح السماحة والعدل ، وتختلف عنه الموضوعية ، وتستولي على أطرافه شهوة التغلّب على الآخرين . . حينئذٍ يوشك الأمر أن يؤول إلى الحال التي وصفها سبحانه بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ
، وهذه البراءة الإلهية والنبوية من الذين فرّقوا دينهم لم تأت إلّابعد قيام الحجّة على الأُمّة ، خاصّتها وعامّتها ، أمراؤها وعلماؤها ، بقوله تعالى لهم جميعاً :
وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
. وإذا كان صحيحاً أنّ العلماء المحقّقين والعارفين والمخلصين قد تنادوا بالدعوة إلى التقريب منذ بواكير التاريخ الإسلامي ، فإنّ اللقاء الذي يتمّ هذه الأيّام تجديداً لهذه الدعوة وسعياً للوصول بها إلى نتائج عملية تجني الأُمّة ثمراتها الطيّبة . . هذا اللقاء يتمّ في إطار ملابسات جديدة تماماً ، يتّصل بعضها بعالمنا الإسلامي والعربي ، كما يتّصل بعضها الآخر بالأوضاع العالمية التي تحيط بالناس جميعاً ، مسلمين وغير مسلمين . . إنّ المعرفة الدقيقة بعناصر « الواقع » والإحاطة باتّجاه حركة التغيير الذي طرأ ولا يزال يطرأ على تلك العناصر ، لقد صار يكوّن - فيما نرى - أكثر من نصف « الفقه » ونصف أدوات « الاجتهاد » المنشود . إنّنا نعيش عصراً جديداً بكلّ المعايير ، وليس صحيحاً ما يحتجّ به البعض من أنّ أهل كلّ عصر يرونه جديداً ، ويرونه فاصلًا بين مرحلتين مختلفتين ؛ ذلك أنّ عصرنا هذا قد شهد خلال نصف القرن الأخير ثورات وقفزات علمية هائلة متعاقبة ومتراكبة في ميادين الانتقال والاتّصال والمعلومات وميادين أُخرى عديدة من ميادين العلم والصنعة وأدوات الحرب والقتال ، ترتّب عليها أمران خطيران : أوّلهما : أنّ الحواجز بين الناس والشعوب قد تهاوت بعد أن طوى العلم المسافات ،