ثالثاً : العقدة الماضوية .
إنّ قراءة التأريخ قراءة متأنّية تعبر بجيلنا الحاضر إلى الأجيال الماضية لاستلهام التجارب والاستفادة من العبر أمر مطلوب إلى حدّ كبير ، غير أنّ تحويل التأريخ إلى عقدة ماضوية تؤثّر على حاضرنا تأثيراً سلبياً وتجعله حاجزاً يحول دون التعامل بين أبناء الأُمّة الإسلامية فهو أمر مختلف .
من هنا كان علينا أن نقرأ التأريخ قراءة مستقبلية ، بمعنى : أنّنا نستفيد من نجاحاتنا في التاريخ ونجاحات الآخرين لدفع عجلة التعاون في مجال الوحدة نحو الأمام . كما أنّنا نستفيد من أخطائنا التاريخية لتلافي تكرارها وعدم تحوّلها إلى عقبات في الطريق .
هناك الكثير من المواقف المشرقة التي أقدم عليها أهل البيت عليهم السلام تدفع باتّجاه الوحدة وتجعل من أصحابهم منفتحين على أبناء المذاهب الأُخرى . فعلى سبيل المثال ما نصح به الإمام الصادق عليه السلام لأبان بن تغلب - وهو يتحدّث في مسجد النبي صلى الله عليه وآله - : « انظر ما علمت أنّه من قولهم فأخبرهم بذلك » ، وهو ما يعني بأنّ الإمام يأمر أصحابه بالانفتاح على التعرّف على المذاهب الأُخرى ، كما أنّه يحثّه على احترام ما يعتقدون به ليجيبهم وفق ما يعتقدون .
رابعاً : الانكفاء الذاتي .
ما تتميّز به بعض الفرق الإسلامية في التاريخ من انكفاء ذاتي أضفى عليها نمطية باطنية في الأداء ، وجعلها تعيش حصاراً داخلياً ربّما يولّد في لا شعورها وشعورها كراهية عارمة تجاه الآخرين .
كما أنّها أصبحت - والحالة هذه - تعاني من عقدة الاضطهاد بسبب عزلتها عنهم .
والانكفاء الذاتي هذا تتسبّب فيه عدّة عوامل ، منها : ما ينطلق من الظرف الاجتماعي الضاغط على مجموعة ما أو طائفة معيّنة ، ومنها : ما ينطلق من ذات المجموعة أو أبناء الطائفة . ومن أجل التخلّص من هذه الظاهرة السلبية لا بدّ أن تتوفّر أجواء الصحّة الاجتماعية الكافية التي تحترم كلّ معتقدات ومتبنّيات أبناء الطوائف الأُخرى . كما لا بدّ لذات الطائفة أن تتمتّع بالثقة الكافية والتخلّص من الشعور بعقدة الاضطهاد وتطوير خطابها للتعامل مع الوسط الاجتماعي التي تتحرّك فيه .
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 122
مساهمون: محمد الساعدي
ص١٢٢