والحكم على أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها وإزالة ما يتوقّع من ضررها على السابلة ، والضرب على أيدي المعلمين فيالمكاتب إذا بالغوا في ضربهم التلامذة ، وله النظر في الغش والتدليس في المعايش وغيرها وفي المكاييل والموازين ممّا يُعدّ من واجبات مصلحة البلدية في هذه الأيام « 1 » .
ومن هذا الفهم يُعدّ مفهوم الدولة من وجهة نظر المسلمين متقارباً مع مفهومها الحديث الذي ينادي به العلماء المعاصرون .
فنظام الحسبة الذي أوجده المسلمون هو عامل مؤثر في ضبط أوضاع المجتمع في كافة جوانبه الدينية والاقتصادية ، وبعد انتشار هذا النظام بدأ المسلمون وأبناء البلدان المفتوحة يشعرون بضرورة تطبيقه نظراً لأهميته الكبرى كما أنّ أورپا اقتبست كثيراً من أنظمتها الاقتصادية والاجتماعية ومسألة مراقبة الأسواق والبيع والشراء ومكافحة الاحتكار من نظام الحسبة الإسلامي ، وقد تمّ هذا الاقتباس والنقل عن طريق المسلمين في إسبانيا وصقلية عن طريق بلاد الشام بعد أن تأثّر الصليبيون بالنظام الإسلامي عامة ثمّ نقلوه إلى بلادهم بعد عودتهم « 2 » .
وكلّ المظاهر التي عرفت في تاريخ الحضارة الإسلامية ، من حسبة وغيرها فهي صدى حكومة يثرب ، فلم تكن تُعرف بهذا الاسم أو غيره . وكلّ مظاهر السلطة والإدارة ، من وزارة أونقود أو قضاء أو شرطة أو جيش أو دواوين كانت متجلية بشكل عفوي وانسيابي ، لأن الحكومة اليثربية كانت تدير مجتمعاً مبسطاً له حدوده الإقليمية الواضحة وله ممارساته اليومية التي تقوم بها مثل أيّ سلطة سياسية أخرى ، فلم يكن النبي ( ص ) يهاجر إلى يثرب إلّا ليقيم تجربة دولة وسلطة تطبق مبادئ الإسلام .
وقد عبّر ( ص ) عن الدولة والسلطة بالسيف فقال ( ص ) :
الخير كلّه في السيف وتحت ظلّ السيف ، ولا يقيم الناس إلّا السيف « 3 »
فالتعبير بلفظ السيف يناسب الظرف الزماني
هامش
( 1 ) السيد محمد الحسيني الشيرازي ، من التمدن الإسلامي : 87 .
( 2 ) الدكتور حسّان حلّاق ، دراسات في تاريخ الحضارة الإسلامية : 88 و 89 .
( 3 ) تهذيب الأحكام 122 : 6 ح 211 .