وعرفت العصور الحديثة نمطاً سياسياً استبدادياً في ممارسة الحكم والسلطة السياسية يطلق عليه في المصطلح السياسي بالحكم الاستبدادي ، وهو يدلّ على نمط خاص من الحكم ، كان مونتسكيو يضعه في مواجهة الجمهورية ( حكم الجمهور ) والملكية ( حكم الملك الفرد ) ويشترك الحكم الاستبدادي والحكم الملكي بوجود سلطان واحد ، ويختلف عنه في كون المستبدّ يحكم دون الرجوع إلى قوانين وأحكام وضعية . ويدلّ في استعماله الاجتماعي العلمي الحديث على صفة الشخص الذي يُسند الحكم إليه وحده .
وتدلّ الدكتاتورية على أشكال ممارسة هذا النوع من الحكم الفردي « 1 » .
وهذا الحكم بطبيعته لا ينسجم مع المفاهيم الديمقراطية والحكم المقيد بالدستور . ومن المؤكّد أنّ الشورى الإسلامية لا تنسجم مع الحكم الدكتاتوري والفرد المستبدّ برأيه في تدبير أمور الأمّة . والمشاهد في تجارب الحكم الإسلامي أنّ الدكتاتورية لا وجود لها لديهم مهما كانت ممارساتهم . وقد أفرزت تجربة الحكومة الإسلامية القائمة على الرحمة والعفو والمحبّة من قبل الرئيس للمرؤوس حالة من التميّع أو المرونة والليونة في الطابع العام للروابط والعلاقات للدولة الإسلامية حيث أنّ الحاكم يضع سيرة أول حاكم إسلامي نبيّه محمد ( ص ) مثالا للحكم والقيادة التي أمرتها الإرادة السماوية بمحبّة الرعية واللطف بهم تقول هذه الإرادة
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
« 2 »
.
فالحاكم هنا أب وأخ عطوف رؤوف ، زد على ذلك يسأل ويتشاور ويناقش معهم ما يتعلّق بشؤون الحكم والإدارة والعلاقات العامة والخاصّة ، ويصف الدكتور أدهم هذه العلاقات في المجتمع الإسلامي بالقول فهذه الإخوة الإيمانية تفوق ما تحققه العلاقات الإنسانية لأنّها إضافة إلى تحقيقها قدراً من العلاقات الحسنة بين الإدارة والأفراد وإشباع الحاجات بالأهداف فإنّها تستوجب وجود العلاقة الأخوية بين الإدارة والأفراد ، وبين
هامش
( 1 ) مفاتيح العلوم الإسلامية ص 173 رقم 583 .
( 2 ) آل عمران : 159 .