وهذا الجهاز يعتبر من المظاهر الحضارية ، لذلك ظهر هناك من يعتقد بأنّ نظام الحسبة الذي اشتهر به المسلمون عرف لدى الحضارات القديمة بنظام خاص لتنظيم الأوضاع الاقتصادية والأسواق في بلدانهم ، فيقول حلاق : عرفت الحضارة اليونانية نظاماً اقتصادياً انتشر مع السيطرة اليونانية في بلاد الشرق ، وكان يعرف باليونانية باسم آغورانوموس (
Agoranomos )
صاحب السوق . وكان عمل هذا الموظف الإشراف على أمور الأسواق ، وقد استمرّت هذه الوظيفة عند الرومان والبيزنطيين .
ولمّا جاء الإسلام وانتشرت راية الدولة العربية في الشرق والغرب أبقى الخلفاء والولاة على هذه الوظيفة ، ولكن أطلقوا عليها اسم الحسبة ، وعلى صاحبها اسم المحتسب ، على أنّ المسلمين وإن اقتبسوا هذا النظام عن الحضارات السابقة ، فإنّ ذلك لا يعني أنّهم أبقوا عليه كما هو ، بل أدخلوا عليه الكثير من المهام والتعديلات والمبادئ المستمدّة من تعاليم الإسلام ، على اعتبار أنّ مهمة الأغورانوموس كانت مستمدّة من التعاليم والبيئة الوثنية ومن ثمّ المسيحية « 1 » .
في حين يتبنّى الدكتور فوزي كمال أدهم رأياً مغايراً لهذا الرأي فيقول : لسنا نقول في الردّ ، على كلِّ من يرى أنّ الحسبة الإسلامية قد استفادت من الحسبة الرومانية أو اليونانية ، أو غير ذلك ، أكثر من أنّ الرسول ( ص ) قد ولّى سعيد بن العاص سوق مكّة بعد فتح مكّة ، أي في السنة الثامنة للهجرة ، وقبل أن يقع أيّ اتصال بين المسلمين وجيرانهم الروم ، وفي هذا الحجّة الدامغة على أنّ الحسبة في الإسلام نشأت استناداً إلى حاجات المجتمع وضروراته من غير اقتباس عن أحد .
كما أنّ منشأ الحسبتين مختلف كلّ الاختلاف ، فما سمّي « الأيديل » أو « الأغورانوموس » كان موظّفاً مدنياً محضاً من حيث مبدأ الوجود ، ومن حيث التطبيق ومن حيث أساليب العمل .
أمّا المحتسب المسلم فقد انطلق من مبدأ قرآني ديني ، هو الأمر بالمعروف والنهي عن
هامش
( 1 ) حسّان حلاق ، دراسات في تاريخ الحضارة الإسلامية ، دار النهضة العربية ، بيروت : 64 .