ولادة الشكّ لا اليقين ، ونتيجة القلق والثورة لا اليقين والاستقرار « 1 » . ومن هنا فالحرية في نظر الديانات السماوية نتيجة حتمية لاستقرار الحضارات وديمومتها وتأمين رفدها بالعقول المفكرة والطاقات المبدعة .
فسيرة الأنبياء كانت حافلة بالكفاح من أجل حرية الإنسان ، وحتّى الحركة المنظّمة التي أوجبت وتطلّبت تنظيم جيوش وإعداد قوّة عسكرية ضاربة ، للقيام بعملية احتلال أو فتوحات أو استخدام قوّة ، لأيّ غرض كان ، إنما كانت مرحلة من مراحل الدفاع المنظّم عن حرّية الإنسان واستقلاله واختياره . فالحروب التي كانت في تاريخ المسلمين هي حروب تحرير وحرية . وقد أشار بعض الباحثين لذلك بالقول : وأمر الله رسوله ( ص ) أن ينشر الدعوة بالحسنى دون أي إكراه أو ضغط
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
« 2 »
.
لذا ترك الرسول ( ص ) لأبناء قريش ومن جاورها من القبائل العربية الأخرى الحرية في دخول الاسلام ، أو البقاء على ديانتهم الأصلية ، وموقفه من نصارى نجران يشهد بذلك « 3 » .
وللسبب نفسه كان الرسول ( ص ) يوصي قادة سراياه أن يعطوا الخيار لأبناء الشعوب الأخرى بين ثلاثة أمور :
1 - الإسلام : فإذا اعتنقوا الإسلام أصبحت أرضهم جزءاً من دار الإسلام ودخلوا في أمّة المسلمين لهم ما لجميع أبنائها ، وعليهم ما عليهم .
2 - دفع الجزية : وهي ضريبة بسيطة ذات مدلولين ، الأوّل سياسي ، ودخول من يدفعها في حماية المسلمين وذمّتهم ، والثاني اقتصادي وهو المساهمة في نفقات الدفاع عن الدولة .
هامش
( 1 ) السيد محمد باقر الصدر ، المدرسة الإسلامية ، بيروت دار الزهراء ص 110 .
( 2 ) البقرة : 256 .
( 3 ) حيث قال نصارى نجران للنبي ( صلى الله عليه وآله ) بعد التواعد على المباهلة : رأينا أن لانباهلك وأن نقرّك على دينك ونثبت على ديننا ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) : فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم ، فأبوا ، قال : فإنّي أناجزكم ، فقالوا : مالنا بحرب العرب طاقة ، ولكن نصالحك على أن لاتغزونا ولاتخيفنا ولاتردّنا عن ديننا ، على أن نؤدّي إليك كلّ عام ألفي حلّة ألف في صفر وألف في رجب ، وثلاثين درعاً عادية من حديد ، فصالحهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) على ذلك . الكشاف للزمخشري 368 : 1 .