عصره ومستبدّ زمانه فرعون مصر في قوله تعالى :
نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ
« 1 »
.
وكذا أشير إلى ذلك في قوله تعالى :
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ * وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ
« 2 »
.
ومن هنا فالحرية ورسالة تحرير الإنسان ارتبطت بتاريخ الأديان السماوية ، إلّا أنّ المنطلقات والرؤى اختلفت في فهم الحرّية وآلت إلى ما يعرف اليوم لدى النظام الليبرالي الغربي الذي صوّر الحرية إلهاً جديداً يعبد في محاريب البلدان الرأسمالية ، فحوّلها إلى لعبة إعلامية تلوكها القوى السياسية الناطقة بلفظ الحرية فاحترقت أممهم وضاعت بغبار الفوضى ونيران الفردية الموغلة بأنانيتها وفوضويتها اللا محدودة .
ويتحدّث الإمام السيّد محمد باقر الصدر عن مفهوم الحرّية في الفكر الديني ويقابلها مع الفكر الليبرالي فيقول : فالإسلام والحضارة الغربية وإن مارسا معاً عملية تحرير الإنسان ، ولكنّهما يختلفان في القاعدة الفكرية التي يقوم عليها هذا التحرير ، فالإسلام يقيمها على أساس العبودية لله والإيمان به ، والحضارة الغربية تقيمها على أساس الإيمان بالإنسان وحده وسيطرته على نفسه ، بعد أن شككت في كلّ القيم والحقائق وراء الأبعاد المادية لوجود الإنسان ، ولأجل ذلك كان مردّ فكرة الحرية في الإسلام إلى عقيدة إيمانية موحّدة بالله وتعيين ثابت بسيطرته على الكون . وكلّما تأصّل هذا اليقين في نفس المسلم وتركّزت نظرته التوحيدية إلى الله . . . تسامت نفسه وتعمّق إحساسه بكرامته وحريته وتصلّبت إرادته في وجه الطغيان والبغي واستبعاد الآخرين
وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ
« 3 » وعلى العكس من ذلك فكرة الحرية في الحضارة الغربية ، فإنّها كانت
هامش
( 1 ) القصص 3 - 6 .
( 2 ) الصافات : 114 و 115 .
( 3 ) الشورى : 39 .