وقد أكدت نصوص القرآن الكريم مفهوم الحريّة والاختيار في آيات عديدة منها قوله تعالى :
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ
« 1 » فالنجدان هنا سبيل الخير وسبيل الشرّ « 2 » وكقوله تعالى :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
« 3 » وقوله تعالى :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ، فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
« 4 » أي عرّفها وألهمها ، ثمّ خيرّها فاختارت « 5 » وكقوله تعالى حاكياً عن نوح ( ع ) :
قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ
« 6 » أي عليّ أن أدلّكم على الهداية بالبيّنة ، ليس اضطرّكم إلى معرفتها . وبمعنى آخر : إن هداني الله وأضلّكم ! أجبركم على الهدى وأنتم كارهون « 7 » . وكقوله تعالى :
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ
« 8 »
.
وقوله تعالى :
قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
« 9 »
.
وقوله تعالى :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
« 10 »
.
فالخالق لم يرد لعباده أن يكونوا طائعين لأنبيائه وأوصيائه طاعة عمياء ، بدون نظر وبصيرة وتفكّر ، وقناعة داخلية تحملهم على اختيار الهداية والتحرك نحوها بمحض إرادتهم ، وكأنّ الآية توحي للإنسان بأن يتأمّل ويراجع ويتساءل ، وهذا من حقّ العبد فترى هنا احترام السيّد لإرادة عبيده وإطلاق عنانهم لإدراك الأمور والتبصّر بها وفقاً لإرادتهم .
هامش
( 1 ) البلد : 10 .
( 2 ) ينظر مجمع البيان للطبرسي 494 : 5 ، تفسير البيضاوي 56 : 2 .
( 3 ) الإنسان : 3 .
( 4 ) الشمس : 7 و 8 .
( 5 ) تفسير علي بن إبراهيم القمي 422 : 2 ، مجمع البيان 498 : 5 .
( 6 ) هود : 28 .
( 7 ) التسهيل لعلوم التنزيل 190 : 2 ، مجمع البيان 155 : 3 .
( 8 ) البقرة : 256 .
( 9 ) الكهف : 29 .
( 10 ) يونس : 99 .