نمت - من خلال الممارسة الاجتماعية للحياة - المواهب والقابليات ، وبرزت الإمكانات المتفاوتة ، واتّسعت آفاق النظر ، وتنوّعت التطلّعات ، وتعقّدت الحاجات ، فنشأ الاختلاف وبدأ التناقض بين القويّ والضعيف ، وأصبحت الحياة الاجتماعية بحاجة إلى موازين تحدِّد الحقّ ، وتجسّد العدل ، وتضمن استمرار وحدة الناس في إطار سليم ، وتصبّ كلّ تلك القابليات والإمكاناتالتي نمّتها التجربة الاجتماعيةفي محور إيجابيّ ، يعود على الجميع بالخير والرخاء والاستقرار ، بدلًا عن أن يكون مصدراً للتناقض ، وأساساً للصراع والاستغلال .
وفي هذه المرحلة ظهرت فكرة الدولة على يد الأنبياء ، وقام الأنبياء بدورهم في بناء الدولة السليمة ، ووضع اللَّه تعالى للدولة اسسَها وقواعدها ، كما لاحظنا في الآية الكريمة المتقدّمة الذكر . وظلّ الأنبياء يواصلون بشكل وآخر دورهم العظيم في بناء الدولة الصالحة ، وقد تولّى عدد كبير منهم الإشراف المباشر على الدولة ، كداود وسليمان وغيرهما ، وقضى بعض الأنبياء كلّ حياته وهو يسعى في هذا السبيل ، كما في حالة موسى عليه السلام ، واستطاع خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله أن يتوِّج جهود سلفه الطاهر ، بإقامة أنظف وأطهر دولة في التأريخ ، شكّلت بحقٍّ منعطفاً عظيماً في تأريخ الإنسان ، وجسّدت مبادئ الدولة الصالحة تجسيداً كاملًا ورائعاً .
وعلى الرغم من أنّ هذه الدولة قد تولّاها في كثير من الأحيان بعد وفاة الرسول الأعظم قادةٌ لايعيشون أهدافها الحقيقية ، ورسالتها العظيمة ؛ فإنّ الإمامة - التي كانت امتداداً روحياً وعقائدياً للنبوّة ، ووريثاً لرسالات السماء - مارست باستمرار دورها في محاولة تصحيح مسار هذه الدولة ، وإعادتها إلى طريقها النبويّ الصحيح ، وقدّم الأئمّة عليهم السلام في هذا السبيل زخماً هائلًا من التضحيات ، التي توَّجها استشهاد أبي الأحرار ، وسيّد الشهداء أبي عبد اللَّه الحسين ، مع الصفوة من أهل بيته وأصحابه ، في يوم عاشوراء .
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 477
مساهمون: السيد منذر الحكيم
ص٤٧٧