تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
فما قال القرآن ( اجتنبوه ) ، إلّاوانطلق المسلمون إلى زقاق خمورهم يشقّونها بالمُدى والسكاكين ، يريقون ما فيها ، ويفتّشون في بيوتهم لعلّهم يجدون بقيّة من خمر فاتهم أن يريقوها ، وتحوّلت الامّة القرآنية في لحظة إلى امّة تحارب الخمر ، وتترفّع عن استعماله ، كلّ ذلك حدث ؛ لأنّ الامّة كانت مالكة لإرادتها ، ( حرّة ) في مقابل شهواتها ، قادرة على الصمود أمام دوافعها الحيوانية ، وأن تقول بكلّ صرامة وجدّ حين يدعو الموقف إلى ذلك ، وبكلمة مختصرة كانت تتمتّع « بحرّية ( حقيقية ) تسمح لها بالتحكّم في سلوكها » . وفي مقابل تلك التجربة الناجحة ، التي مارسها القرآن الكريم لتحريم الخمر ، نجد أنّ أرقى شعوب العالم الغربي مدنية وثقافة ، فشل في تجربة مماثلة ؛ فقد حاولت الولايات المتّحدة الأميركية في القرن العشرين ، أن تخلّص شعبها من مضار الخمر ، فشرّعت في سنة ( 1920 ) قانوناً لتحريم الخمر ، ومهدّت لهذا القانون بدعاية واسعة ، عن طريق السينما والتمثيل والإذاعة ونشر الكتب والرسائل ، وكلّها تبيّن مضار الخمر ، مدعومة بالاحصائيات الدقيقة والدراسات الطبيّة . وقد قُدِّر ما أنفق على هذه الدعاية ( 65 ) مليوناً من الدولارات ، وسوّدت تسعة آلاف مليون صفحة ، في بيان مضارّ الخمر والزجر عنها ، ودلّت الاحصائيات للفترة الواقعة بين تأريخ تشريعه ، وبين تشرين الأوّل ( 1933 ) أنّه قُتل في سبيل تنفيذ هذا القانون مئتا نسمة ، وحُبس نصف مليون نسمة ، وغُرّم المخالفون له غرامات تبلغ مليوناً ونصف المليون من الجنيهات ، وصُودرت أموال بسبب مخالفته تقدّر بأربعمئة مليون جنيه ، وأخيراً اضطرّت الحكومة الأميركية إلى إلغاء قانون التحريم في أواخر سنة ( 1933 ) ، وفشلت التجربة . والسبب في ذلك أنّ الحضارات الغربية بالرغم من مناداتها بالحرّية لم تستطع ، بل لم تحاول أن تمنح الإنسان الغربي ( الحرّية الحقيقية ) التي حقّقها القرآن الكريم