الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً )
« 1 » ،
( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ )
« 2 »
.
والنبيّ الرسول هو حامل الرسالة من السماء ، والإنسان المبنيّ ربّانياً ؛ لكي يبني للثورة قواعدها الصالحة ، ويعيد إلى الجماعة الشروط الحقيقية لاستعادة دورها الخلافي الصالح ، وذلك باعتماد الأساس الثاني .
ومن هنا دعا الأنبياء إلى جهادين :
أحدهما : الجهاد الأكبر من أجل أن يكون المستضعَفون أئمّةً ، وينتصروا على شهواتهم ، ويبنوا أنفسهم بناءً ثورياً صالحاً .
والآخر : الجهاد الأصغر من أجل إزالة المستغِلِّين والظالمين عن مواقعهم .
وتسير العمليتان في ثورة الأنبياء جنباً إلى جنب ، فالنبيّ ينتقل بأصحابه دائماً من الجهاد الأكبر إلى الأصغر ، ومن الجهاد الأصغر إلى الأكبر ، بل إنّهم يمارسون الجهادين في وقت واحد ، وحتّى عندما يخوضون ساحات القتال ، وفي أحرج لحظات الحرب . انظروا إلى الثائر النموذجي في الإسلام ، الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام كيف أقدم بكلّ شجاعة وبطولة على مبارزة رجل الحرب الأوّل في العرب عمرو بن عبد ودّ ، واعتبر الناس ذلك منه انتحاراً شبه محقّق ؟ ثمّ كيف أمسك عن قتله بضع لحظات بعد أن تغلّب عليه ؛ لأنّ عَمرواً أغضبه ، فلم يشأ أن يقتله وفي نفسه مشاعر غضب شخصيّ ، وحرص على أن يُنجِز هذا الواجب الجهادي في لحظة لا غضب لديه فيها إلّاللَّهتعالى ، ولكرامة الإنسان على الأرض « 3 » ؟ ! وبهذا حقّق انتصاراً عظيماً في مقاييس كلا الجهادين في موقف واحد فريد .
هامش
( 1 ) القصص : 83 .
( 2 ) المصدر السابق : 5 .
( 3 ) المناقب : ج 2 ص 115 ، فصل في حمله وشفقته عليه السلام .