الفروق الجوهرية بين أصناف الشهداء
هذا هو المحتوى المشترك لدور الشهداء بأصنافهم الثلاثة . ومع هذا فإنّ هناك فروقاً جوهريةً بينهم في طريقة أداء هذا الدور ، فالنبيّ هو حامل الرسالة من السماء ، باختيار اللَّه تعالى له للوحي ، والإمام هو المستودَع للرسالة ربّانياً ، والمرجِع هو الإنسان الذي اكتسب من خلال جهد بشريّ ، ومعاناة طويلةِ الأمد ، استيعاباً حيّاً وشاملًا ومتحرّكاً للإسلام ومصادره ، وورَعاً معمّقاً يروِّض نفسه عليه حتّى يصبح قوةً تتحكّم في كلّ وجوده وسلوكه ، ووعياً إسلامياً رشيداً على الواقع ، وما يزخر به من ظروف وملابسات ، ليكون شهيداً عليه .
ومن هنا كانت المرجعية مقاماً ، يمكن اكتسابه بالعمل الجادّ المخلص للَّهسبحانه وتعالى ، خلافاً للنبوّة والإمامة ، فإنّهما رابطتان ربّانيتان بين اللَّه تعالى والإنسان النبيّ ، أو الإنسان الإمام ، ولا يمكن اكتساب هذه الرابطة بالسعي والجهد والترويض .
والنبيّ والإمام معيَّنان من اللَّه تعالى تعييناً شخصياً ، وأمّا المرجع فهو معيَّن تعييناً نوعياً ، أي إنّ الإسلام حدّد الشروط العامّة للمرجِع ، وترك أمر التعيين والتأكد من انطباق الشروط إلى الامّة نفسها ؛ ومن هنا كانت المرجعية كخطّ قراراً إلهياً ، والمرجعية كتجسيد في فرد معيَّن قراراً من الامّة .
وارتباط الفرد بالنبيّ ارتباطاً دينياً ، والرجوع إليه في أخذ أحكام اللَّه تعالى عن طريقه ، يجعل منه مسلماً بالنبيّ ، وارتباطه بالإمام على هذا النحو ، يجعل منه مؤمناً بالإمام ، وارتباطه بالمرجِع على النحو ، المذكور ، يجعل منه مقلداً للمرجع .
وهناك فارق آخر أساسي بين النبيّين والربّانيين من الشهداء ، وبين الأحبار منهم ، وهو أنّ النبيّ والربّاني - الإمام - يجب أن يكون معصوماً ، أي مجسِّداً للرسالة بقيمها وأحكامها في كلّ سلوكه ، وأفكاره ، ومشاعره ، وغير ممارس لا بعمد ولا بجهالة أو خطأً أيّ ممارسة جاهلية . ولا بدّ أن تكون هذه النظافة المُطلَقة متوفّرةً حتّى قبل