تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 422

مساهمون:

ص٤٢٢
ولاتُضبط وفقاً للقوانين الطبيعيّة والكونية الصارمة التي تسيّر الكون بالحكمة والتدبير ، وفضّلوا على ذلك الكائن الذي يولد ناجزاً مصمَّماً ، لا فراغ في سلوكه ، تتحكّم فيه باستمرار قوانين الكون ، كما تتحكّم في الظواهر الطبيعية . ومن هنا قدَّموا أنفسهم كبديل عن الخليفة الجديد ، ولكن فاتهم أنّ الكائن الحرّ الذي جعله اللَّه تعالى خليفةً في الأرض ، لا تعني حرّيته إهمال اللَّه تعالى له ، بل تغيير شكل الرعاية ، فبدلًا عن الرعاية من خلال قانون طبيعيّ لايتخلّف - كما تُرعى حركات الكواكب ، ومسيرة كلّ ذرّة في الكون - يتولّى اللَّه سبحانه وتعالى تربية هذا الخليفة وتعليمه ، لكي يصنع الإنسان قَدَرَه ومصيره ، وينمِّي وجوده على ضوء هدىً وكتاب منير . ومن هنا علّم اللَّه تعالى آدم الأسماءَ كلَّها ، وأثبت للملائكة - من خلال المقارنة بينه وبينهم - أنّ هذا الكائن الحرّ الذي اجتباه للخلافة قابل للتعليم والتنمية الربّانية ، وأنّ اللَّه تعالى قد وضع له قانون تكامله من خلال خطّ آخر ، يجب أن يسير إلى جانب خطّ الخلافة ، وهو خطّ الشهادة الذي يمثّل القيادة الربّانية ، والتوجيه الربّاني على الأرض . إنّ الملائكة لاحظوا خطّ الخلافة بصورة منفصلة ، عن الخطّ المكمِّل له بالضرورة ، فثارت مخاوفهم . وأمّا الخطّة الربّانية فكانت قد وضعت خطّين جنباً إلى جنب : أحدهما خطّ الخلافة ، والآخر خطّ الشهادة الذي يجسّده شهيد ربّاني يحمل إلى الناس هدى اللَّه ، ويعمل من أجل تحصينهم من الانحراف ، وهو الخطّ الذي أشار إليه القرآن الكريم في قوله :
( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ )
« 1 »
.
هامش
( 1 ) البقرة : 38 .
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 422 | السيد منذر الحكيم