وهذا يعطي مفهوم الإسلام الأساسي عن الخلافة ، وهو : أنّ اللَّه سبحانه وتعالى أناب الجماعة البشرية في الحكم ، وقيادة الكون ، وإعماره اجتماعياً وطبيعياً ، وعلى هذا الأساس تقوم نظرية حكم الناس لأنفسهم ، وشرعية ممارسة الجماعة البشرية حكم نفسها ، بوصفها خليفةً عن اللَّه .
4 - مداليل النظرية ( مداليل الاستخلاف )
وعملية الاستخلاف الربّاني للجماعة على الأرض ، بهذا المفهوم الواسع تعني :
أوّلا : انتماء الجماعة البشرية إلى محور واحد ، وهو المستخلِف - أي اللَّه سبحانه وتعالى - الذي استخلَفها على الأرض ، بدلًا عن كلّ الانتماءات الأخرى ، والإيمان بسيّد واحد ، ومالك واحد للكون وكلّ ما فيه ، وهذا هو التوحيد الخالص ، الذي قام على أساسه الإسلام ، وحملت لواءه كلّ ثورات الأنبياء تحت شعار « لا إلهَ إلّااللَّه » :
( صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ )
« 1 » .
( يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ )
« 2 »
.
ثانياً : إقامة العلاقات الاجتماعية على أساس العبودية المخلِصة للَّه ، وتحرير الإنسان من عبودية الأسماء ، التي تمثِّل ألوان الاستغلال والجهل والطاغوت :
( ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها )
« 3 »
.
ثالثاً : تجسيد روح الاخوّة العامّة في كلّ العلاقات الاجتماعية ، بعد محو ألوان الاستغلال والتسلّط . فما دام اللَّه سبحانه وتعالى واحداً ولا سيادة إلّاله ، والناس جميعاً عباده ، ومتساوون بالنسبة إليه ، فمن الطبيعي أن يكونوا إخوةً متكافئين في
هامش
( 1 ) البقرة : 138 .
( 2 ) يوسف : 39 .
( 3 ) يوسف : 40 .