تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
ما دام هذا الجزء قد تنازل عن مصلحته وكرامته . وعلى العكس من ذلك حكم الجماعة القائم على أساس الاستخلاف ، فإنّه حكم مسؤول ، والجماعة فيه ملزمة بتطبيق الحقّ والعدل ، ورفض الظلم والطغيان ، وليست مخيَّرةً بين هذا وذاك ، حتّى إنّ القرآن الكريم يسمّي الجماعة التي تقبل بالظلم ، وتستسيغ السكوت عن الطغيان بأ نّها « ظالمة لنفسها » ويعتبرها مسؤولةً عن هذا الظلم ، ومطالبةً برفضه بأيِّ شكل من الأشكال ، ولو بالهجرة والانفصال إذا تعذّر التغيير ، قال اللَّه سبحانه وتعالى :
( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً )
« 1 »
.
وتعني المسؤولية من ناحية أخرى أنّ الإنسان كان حر ؛ إذ بدون الاختيار والحريّة لا معنى للمسؤولية ، ومن أجل ذلك كان بالإمكان أن يستنتج من جعل اللَّه خليفةً على الأرض ، أنّه يجعل الكائن الحرّ المختار ، الذي بإمكانه أن يصلح في الأرض ، وبإمكانه أن يفسد أيضاً ، وبإرداته واختياره يدحّد ما يحقّقه من هذه الإمكانات :
( إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً )
« 2 »
.
وأكبر الظنِّ أنّ هذه الحقيقة هي التي أثارت في نفوس الملائكة المخاوف من مصير هذه الخلافة ، وإمكانية انحرافها عن الطريق السويّ إلى طريق الفساد وسفك الدماء ؛ لأنّ صلاح المسيرة البشرية لمّا كان مرتبطاً بإرادة هذا الإنسان الخليفة ، ولم يكن مضموناً بقانون قاهر - كما هي الحالة في كلّ مجالات الطبيعة - فمن المتوقّع أن تجد إمكانيةُ الإفساد والشرّ مجالًا لها ، في الممارسة البشرية على أشكالها المختلفة . وكأنّ الملائكة هالَهم أن توجد لأوّل مرّة طاقة محايدة يتعادل فيها الخير والشرّ ،
هامش
( 1 ) النساء : 97 . ( 2 ) الإنسان : 3 .