ينتسب إليهم هذا العامل ، ويدخل في نطاق النوع الثاني كلّ ألوان العمل ، التي تنشد هدفاً أكبر من وجود العامل نفسه ، فإنّ كلّ هدف كبير لا يمكن عادة ، أن يتحقّق ، إلّا عن طريق تظافر جهود وأعمال على مدى طويل .
والنوع الأوّل من المصالح يضمن الدافع الذاتي لدى الفرد ، في الغالب توفيره والعمل في سبيله ، فما دام العامل هو الذي يقطف ثمار المصلحة ، وينعم بها مباشرة ، فمن الطبيعي أن يتواجد لديه القصد إليها ، والدافع للعمل من أجلها .
وأمّا النوع الثاني من المصالح فلايكفي الدافع لضمان تلك المصالح ؛ لأنّ المصالح هنا لاتخصّ الفرد العامل ، وكثيراً ما تكون نسبة ما يصيبه من جهد وعناء أكبر كثيراً من نسبة ما يصيبه من تلك المصلحة الكبيرة . ومن هنا كان الإنسان بحاجة إلى تربية على الموضوعية ، في القصد وتجاوز للذات في الدوافع ، أي : على أن يعمل من أجل غيره ، من أجل الجماعة . وبتعبير آخر : من أجل هدف أكبر من وجوده ، ومصالحه المادّية الخاصّة . وهذه تربية ضرورية لإنسان عصر الذرّة والكهرباء ، كما هي ضرورية للإنسان الذي كان يحارب بالسيف ويسافر على البعير على السواء ، لأنّهما معاً يواجهان هموم البناء والأهداف الكبيرة ، والمواقف التي تتطلّب تناسي الذات والعمل من أجل الآخرين ، وبذر البذور التي قد لا يشهد الباذر ثمارها ، فلابدّ إذاً من تربية كلّ فرد على أن يؤدّي قسطاً من جهده وعمله ، لا من أجل ذاته ومصالحها المادّية الخاصّة ؛ ليكون قادراً على العطاء ، وعلى الإيثار ، وعلى القصد الموضوعي النزيه .
والعبادات تقوم بدور كبير في هذه التربية الضرورية ؛ لأنّها - كما مرّ بنا - أعمال يقوم بها الإنسان من أجل اللَّه سبحانه وتعالى ، ولاتصحّ إذا أدّاها العابد من أجل مصلحة من مصالحه الخاصّة ، ولاتسوّغ إذا استهدف من ورائها مجداً شخصياً ، وثناءً اجتماعياً وتكريساً لذاته في محيطه وبيئته ، بل تصبح عملًا محرماً ، يعاقَب عليه هذا العابد ، كلّ ذلك من أجل أن يجرّب الإنسان من خلال العبادة القصد الموضوعي ،
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 375
مساهمون: السيد منذر الحكيم
ص٣٧٥