تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
لأنّ ذلك يرتبط في الحقيقة بطريقة اشباع هذه الغريزة وأسلوب الاستفادة منها ، كما هي الحال في كلّ غريزة أخرى ، فإنّ التصرّف السليم في إشباعها على نحو موازٍ لسائر الغرائز والميول الأخرى ، ومنسجم معها ، هو الذي يكفل المصلحة النهائية للإنسان ، كما أنّ السلوك وفقا لغريزة أو ضدها هو الذي يُنمّي تلك الغريزة ويعمّقها ، أو يضمرها ويخنقها ، فبذور الرحمة والشفقة تموت في نفس الإنسان من خلال سلوك سلبي ، وتنمو في نفسه من خلال التعاطف العملي المستمرّ مع البائسين ، والمظلومين ، والفقراء . ومن هنا كان لابدّ للإيمان باللَّه ، والشعور العميق بالتطلّع نحو الغيب ، والانشداد إلى المطلق ، لابدّ لذلك من توجيه يحدّد طريقة إشباع هذا الشعور ، ومن سلوك يعمّقه ويرسّخه على نحو يتناسب مع سائر المشاعر الأصلية في الإنسان . وبدون توجيه قد ينتكس هذا الشعور ، ويمنى بألوان الانحراف ، كما وقع بالنسبة إلى الشعور الديني غير الموجّه في أكثر مراحل التاريخ . وبدون سلوك معمّق قد يضمر هذا الشعور ، ولا يعود الارتباط بالمُطلَق حقيقة فاعلة في حياة الإنسان ، وقادرة على تفجير طاقاته الصالحة . والدين الذي طرح شعار ( لا إله إلّااللَّه ) ودمج فيه بين الرفض والاثبات معاً هو الموجّه . والعبادات هي التي تقوم بدور التعميق لذلك الشعور ؛ لأنّها تعبير عملي وتطبيقي لغريزة الإيمان ، وبها تنمو هذه الغريزة وتترسّخ في حياة الإنسان . ونلاحظ أنّ العبادات الرشيدة بوصفها تعبيراً عملياً عن الارتباط بالمُطلَق ، يندمج فيها عملياً الاثبات والرفض معاً ، فهي تأكيد مستمرّ من الإنسان على الارتباط باللَّه تعالى ، وعلى رفض أيّ مُطلَق آخر من المُطلَقات المصطنعة ، فالمصلي حين يبدأ صلاته ب ( اللَّه أكبر ) يؤكّد هذا الرفض ، وحين يمسك عن الطيّبات ، ويصوم