نعم ، من القبيلة التي كان الإنسان البدوي يمنحها ولاءه ، باعتبارها حاجة واقعية بحكم ظروف حياته الخاصّة ، ثمّ غلا في ذلك ، فتحوّلت لديه إلى مُطلَق لا يبصر شيئاً الّا من خلالها ، وأصبحت بذلك معيقة له عن التقدّم .
إلى العلم الذي منحه الإنسان الحديث - بحقّ - ولاءه ، لأنّه شق له طريق السيطرة على الطبيعة ، ولكنّه غلا أحياناً في هذا الولاء فتحوّل إلى ولاء مُطلَق ، تجاوز به حدوده في خضم الافتتان به ، وانتزع الإنسان المفتون بالعلم منه مُطلَقاً يعبده ؛ ويقدّم له فروض الطاعة والولاء ، ويرفض من أجله كلّ القيم والحقائق التي لا يمكن قياسها بالأمتار ، أو رؤيتها بالمجهر .
فكلّ محدود ونسبي إذا نسج الإنسان منه في مرحلة ما مُطلَقاً يرتبط به على هذا الأساس ؛ يصبح في مرحلة رشد ذهني جديد قيداً على الذهن الذي صنعه ؛ بحكم كونه محدوداً ونسبياً .
فلا بدّ للمسيرة الإنسانية من مُطلق .
ولابدّ أن يكون مُطلَقاً حقيقياً ، يستطيع أن يستوعب المسيرة الإنسانية ويهديها سواء السبيل ، مهما تقدّمت وامتدّت على خطها الطويل ، ويمحو من طريقها كلّ الآلهة الذين يطوقون المسيرة ويعيقونه ؛ وبهذا تعالج المشكلة بقطبيها معاً .
الإيمان باللَّه هو العلاج
وهذا العلاج يتمثّل فيما قدّمته شريعة السماء إلى الإنسان على الأرض من عقيدة ( الإيمان باللَّه ) بوصفه المُطلَق الذي يمكن أن يربط الإنسان المحدود مسيرته به ، دون أن يسبب له أيّ تناقض على الطريق الطويل .
فالإيمان باللَّه ، يعالج الجانب السلبي من المشكلة ، ويرفض الضياع ، والإلحاد ، واللا انتماء ، إذ يضع الإنسان في موضع المسؤولية ، وينيط بحركته وتدبيره الكون ، ويجعله خليفة اللَّه في الأرض . والخلافة تستبطن المسؤولية ، والمسؤولية تضع