تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
مسيرته الشاقّة الطويلة المدى ، ويستمدّ من إطلاقه وشموله العون والمدّ والرؤية الواضحة للهدف ، ويربط من خلال ذلك المُطلَق حركته بالكون ، بالوجود كلّه ، بالأزل والأبد ، ويحدّد موقعه منه ، وعلاقته بالإطار الكوني الشامل . فالتحرّك الضائع بدون مُطلَق تحرّك عشوائي كريشة في مهبّ الريح ، تنفعل بالعوامل من حولها ، ولا نؤثّر فيها . وما من إبداع وعطاء في مسيرة الإنسان الكبرى على مرّ التاريخ إلّاوهو مرتبط بالاستناد إلى مُطلَق ، والالتحام معه في سير هادف . غير أنّ هذا الارتباط نفسه يواجه من ناحية أخرى الجانب الآخر من المشكلة ، أي مشكلة الغلوّ في الانتماء ؛ بتحويل النسبي إلى مُطلَق ، وهي مشكلة تواجه الإنسان باستمرار ، إذ ينسج ولاءه لقضية ؛ لكي يمدّه هذا الولاء بالقدرة على الحركة ، ومواصلة السير ، إلّاأنّ هذا الولاء يتجمّد بالتدريج ، ويتجرّد عن ظروفه النسبية التي كان صحيحاً ضمنها ، وينتزع الذهن البشري منه مُطلَقاً لا حدّ له ، ولا حدّ للاستجابة إلى مطالبه ، وبالتعبير الديني يتحوّل إلى إله يعبد بدلًا عن حاجة يستجاب لاشباعها . وحينما يتحوّل النسبي إلى مُطلَق ، إلى إله من هذا القبيل ، يصبح سبباً في تطويق حركة الإنسان ، وتجميد قدراتها على التطوّر والإبداع ، وإقعاد الإنسان عن ممارسة دوره الطبيعي المفتوح في المسيرة :
( لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا )
« 1 »
.
وهذه حقيقة صادقة على كلّ الآلهة التي صنعها الإنسان عبر التاريخ ، سواء كان قد صنعه في المرحلة الوثنية من العبادة ، أم في المراحل التالية ، فمن القبيلة إلى العلم نجد سلسلة من الآلهة التي أعاقت الإنسان بتأليهها ، والتعامل معها كمُطلَق عن التقدّم الصالح .
هامش
( 1 ) الإسراء : 22 .
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 368 | السيد منذر الحكيم