إنساناً سار نحو كربلاء ووقف في نصف الطريق لا يحصل على شي من كربلاء ، لا يحصل على حفنة من تراب كربلاء إطلاقاً ؛ لأنّ كربلاء نهاية جغرافية موجودة في آخر الطريق ، ولكن اللَّه سبحانه وتعالى ليس نهاية على نمط النهايات الجغرافية ، اللَّه سبحانه وتعالى هو المُطلَق ، هو المَثل الأعلى ، أي المُطلَق الحقيقي العيني ، وبحكم كونه هو المُطلَق ، إذاً هو موجود على طول الطريق أيضاً ، ليس هناك فراغ منه ، ليس هناك انحسار عنه ، ليس هناك حدّ له . اللَّه سبحانه وتعالى هو نهاية الطريق ، ولكنّه موجود أيضاً على طول الطريق ، من وصل إلى نصف الطريق ، من وصل إلى سرابه ، فتوقّف واكتشف أنّه سراب ، ماذا يجد ؟ ماذا وجد في الآية ؟ وجد اللَّه فوفّاه اللَّه حسابه ؛ لأنّ المُطلَق موجود على طول الطريق ، وبقدر زخم الطريق ، وبقدر التقدّم في الطريق يجد الإنسان مَثله الأعلى ، يلقى اللَّه سبحانه وتعالى أينما توقّف بحجم سيره ، وبحجم تقدّمه على هذا الطريق .
وبحكم أنّ اللَّه سبحانه وتعالى هو المُطلَق ، إذاً الطريق أيضاً لا ينتهي ، هذا الطريق طريق الإنسان نحو اللَّه ، هو اقتراب مستمرّ بقدر التقدّم الحقيقي نحو اللَّه ، ولكن هذا الاقتراب يبقى اقتراباً نسبياً ، يبقى مجرّد خطوات على الطريق من دون أن يجتاز هذا الطريق ؛ لأنّ المحدود لا يصل إلى المُطلَق . الكائن المتناهي لا يمكن أن يصل إلى اللا متناهي ، فالفسحة الممتدّة بين الإنسان وبين المَثل الأعلى هنا فسحة لا متناهية ، أي أنّه ترك له مجال الابدّاع إلى اللا نهاية ، مجال التطوّر والتكامل إلى اللا نهاية ، باعتبار أنّ الطريق الممتدّ طريق لا نهائي .
أثر المَثل الأعلى الحقيقي على المسيرة البشرية
وهذا المَثل الأعلى الحقيقي حينما تتبنّاه المسيرة الإنسانية ، وتوفّق بين وعيها البشري والواقع الكوني ، الذي يفترض هذا المَثل الأعلى حقيقة قائمة كما افترضته