الثوّار على مرّ التاريخ ، ولم نسمع أنّ نبيّاً من أنبياء التوحيد انهار ، أو تململ ، أو انحرف يمنة أو يسرة عن الرسالة التي بيده ، وعن الكتاب الذي يحمله من السماء ؟
لأنّ المَثَل الأعلى المنفصل عنه ، لأنّ المَثل الأعلى الذي هو فوقه ، هذا المَثل الأعلى أعطاه نفحة موضوعية من الشعور بالمسؤولية ، وهذا الشعور بالمسؤولية تجسّد في كلّ كيانه ، في كلّ مشاعره وأفكاره وعواطفه . ومن هنا كان النبيّ معصوماً على مرّ التاريخ .
إذاً هذا المَثل الأعلى بحسب الحقيقة يحدث تغييراً كيفياً على المسيرة ؛ لأنّه يعطي الشعور بالمسؤولية ، وهذا الشعور بالمسؤولية ليس أمراً عرضياً ، ليس أمراً ثانوياً في مسيرة الإنسان ، بل هذا شرط أساسي في إمكان نجاح هذه المسيرة ، وتقديم الحلّ الموضوعي للتناقض الإنساني « 1 » ، للجدل الإنساني ؛ لأنّ الإنسان يعيش تناقضاً ، الإنسان بحسب تركيبه وخلقته يعيش تناقضاً ؛ لأنّه هو تركيب من حفنة من تراب ، ونفحة من روح اللَّه سبحانه وتعالى ، كما وصفت ذلك الآيات الكريمة . الآيات الكريمة قالت : بأنّ الإنسان خُلق من تراب ، وقالت : بأ نّه نفخ فيه من روحه سبحانه وتعالى « 2 » .
إذاً فهو مجموع نقيضين اجتمعا والتحما في الإنسان ، حفنة التراب تجرّه إلى الأرض ، تجرّه إلى الشهوات ، إلى الميول ، تجرّه إلى كلّ ما ترمز إليه الأرض من انحدار وانحطاط ، وروح اللَّه سبحانه وتعالى التي نفخها فيه تجرّه إلى أعلى ، تتسامى
هامش
( 1 ) لقد تكرّر من السيّد الشهيد قدس سره هنا استعمال بعض المفردات كالتناقض ، والجدل ، واجتماعالنقيضين ، ونحو ذلك ، وليس مراده قدس سره المعنى المنطقي والفلسفي لهذه المصطلحات ، بل استعملها بما لها من مفهوم اجتماعي ، ومعنى عرفي مسامحي .
( 2 ) من قبيل قوله تعالى :« وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ )السجدة : 7 - 9 .